وأما ما يقول فرعون عنه إنه لم يسمعه في آبائه الأولين ، فهو دعوة موسى له ، إلى الإيمان باللّه رب العالمين ، الذي له ملك السماوات والأرض . . فهذه الدعوة لم يسمعها فرعون من قبل ، فقد كانت الآلهة تملأ أرض مصر ، وتحوم فوق سمائها ، من آدميين ، وحيوانات وطيور ، وكواكب ، ونجوم ! . . وهذا ما ملأ شعوره بأنه الإله المتفرد ، فقال قولته الآثمة :
« يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي »
.
قوله تعالى :
« وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ »
.
قد يكون هذا القول الذي قاله موسى مقولا في مواجهة فرعون . . وقد يكون حديثا تحدّث به إلى نفسه ، مواساة وتعزية ، في مواجهة هذا الاتهام الذي يرمى به فرعون بين يدي آيات اللّه التي يعرضها عليه . .
فاللّه سبحانه - أعلم بمن جاء بالهدى . . موسى ، أو فرعون ؟ ومن تكون له عاقبة الدار منهما . . فما داما على هذا الخلاف البعيد بينهما ، فلا بد أن أحدهما محقّ والآخر مبطل ، أحدهما مظلوم ، والآخر ظالم . .
فهذا أشبه بالمباهلة ، وقد تحدّى بها النبي - صلوات اللّه وسلامه عليه وفد نجران ، وقد جاءوا يجادلونه في آيات اللّه ، فقطع عليهم الطريق ، حين دعاهم إلى المباهلة ، كما في قوله تعالى :
« فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ »
( 61 : آل عمران ) . .