تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
قوله تعالى :
« إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ »
. هو تحريض للنبيّ على المضيّ في طريقه ، غير ملتفت إلى أهل آراء والخلاف . . وغير آسف على ما يوردهم به هذا المراء والخلاف من موارد الهلاك والبلاء . . فإنهم موتى ، إذا نودوا لا يسمعون ، وإنهم صمّ ، لا تقع الكلمات على آذانهم إلا كما تقع على الحجر الأصمّ . . وفي تشبيه القوم بالأموات ، وفي وصفهم بعد ذلك بالصمم - إشارة إلى أنهم درجات في الإعراض عن آيات اللّه . فمنهم من لا يستمع إلى آيات اللّه أبدا ، ولا يدنو من صوت يرتل كلمات اللّه ، خوفا على نفسه أن يقع تحت تأثيرها ، فهو يهرب منها ، ويقيم على نفسه حجابا بينه وبينها . . وهذا هو والميت سواء بالنسبة لما يتلو الرسول من قرآن . . ومنهم من يسمع القرآن ، لا ليتدبّر آياته ، ولا ليعرض ما يسمع على عقله ، وإنما ليقع على كلمة ، يدبرها على غير وجهها ، ويتخذ منها مادة للهزء والسخرية . . فهو بهذا أصمّ ، وإن كان ذا أذنين يسمعان ! وقوله تعالى :
« إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ »
- هو شرط لإفادة الحكم بعدم سماعهم ، وهو - في معناه - قيد وارد على هذا الحكم ، أشبه بالحال . . أي أنهم لا يسمعون ما يلقى إليهم وهم يولّون مدبرين . . والسؤال هنا : كيف يكون عدم سماعهم مقيدا بهذا القيد ، وهم صمّ ، والأصمّ لا يسمع مطلقا ، سواء أقبل أو أدبر ؟ والجواب على هذا - واللّه أعلم - أن الأصم وإن كان لا يسمع بأذنيه ، فإنه إذا أقبل على محدثه ، ربما فهم عنه بالإشارة ، وربما قرأ على حركة شفتيه
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 286 | عبد الكريم الخطيب