تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وتقدر على الوفاء به ، على المنشط والمكره . . أمّا صغار النفوس ؛ فإنها تضيق بكلمة الصدق ، وتضعف عن أن تحتملها . . إن طريقها لا تستقيم أبدا مع الطريق المستقيم . . تماما كالجبان يتحرك نحو ساحة القتال ، ولقاء الأبطال . . إنه يتقدم ويتأخر ، ويستقيم ويلتوى . . وهيهات أن يكون الثعلب والأسد على سواء . . في مواجهة الواقع وتحديه ! وهكذا نجد شاعرا من أصحاب النفوس الكبيرة ، كالمتنبى ، مثلا ، تحمله نفسه الكبيرة على أن يقف موقف النّدّ مع ممدوحه سيف الدولة ، أمير الدولة الحمدانية ، ولا يرضى أن يكون حاشية من حواشيه . . حتى إذا التقى بكافور صاحب مصر ، نظر إليه من سماء عالية ، ولم يستطع أن يكتم ما بنفسه ، من مشاعر العظمة لذاته ، والإحقار لكافور ، فيظهر ذلك في كل شعر قاله فيه . . ومن هنا لم يلتقيا على طريق ، فافترقا من أول لقاء ! وأكثر من هذا . . فإن المتنبي ، أبى عليه صدقه مع نفسه ، أن يلتزم ما التزمه الشعر العربي من مطالع الغزل في كل قصيدة ، مدحا كانت ، أو ذما ، أو رثاء . . فصرخ من أعماقه تلك الصرخة المدوية ، التي رمى بها في وجه هذا الغزل المصطنع ، وقال :
إذا كان مدح فالنسيب المقدم ؟ * أكل فصيح قال شعرا متيّم ؟
بل إنه ليذهب إلى أبعد من هذا ، فلم يرتض من أسلوب الحياة إلّا ما كان صميم الحياة ذاتها ، ومن واقعها البعيد عن الصنعة والدّخل ، حتى إنه ليعيب المرأة المتجمّلة بغير جمال الفطرة ، الأمر الذي يكاد يكون طبيعة في بنات حواء . . فيقول :
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها * مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية * وفي البداوة حسن غير مجلوب