تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
ومن هذا أيضا ، ذلك الشعر الذي قيل إن الجن رثت به أبا بكر . . ومثله هذا الشعر الذي ينسب إلى الجن في رثاء عمر . . وغير ذلك كثير ، يمكن أن يجتمع منه ديوان كامل . . فقوله تعالى :
« وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ »
هو عزل للقرآن الكريم ، عن أن يكون من تلك المصادر التي يتلقى منها الشعراء شعرهم ، كما يزعم العرب . . ثم إن قوله تعالى :
« هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ »
- هو عزل للرسول الكريم ، عن أن يكون على شاكلة هؤلاء الشعراء الذين يأخذون شعرهم عن الشياطين ، كما يزعمون . فالقرآن الكريم ، في علوه الذي لا ينال ، أبعد من أن يدخل في وهم الشياطين أن يتطلعوا إليه ، وأن يطوفوا بحرمه . . ثم على فرض أنهم أرادوا ذلك - تطاولا وسفها - فإنهم لن يبلغوا من هذا مأربا . . وقد تحدى القرآن الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، فقال تعالى :
« قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
( 88 : الإسراء ) فما لهم لا يتصلون بالجن ، ويأخذون عنهم مثل ما أخذ النبي ؟ وشأن الرسول في هذا شأن القرآن ، فهو في مقام عال ، وفي حراسة من طهره ، وسموه ، من أن تلمّ به الأرواح الخبيثة ، أو تتعامل معه . . لبعد ما بينها وبينه ، وللاختلاف الشديد الذي بين طبيعتها وطبيعته . . إن الشياطين ، إنما تتنزل ، وتتعامل مع أقرب الناس شبها بها ، وأكثرهم