تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
المشرق الذي بين يديه ، ولا يستجيب له منهم إلّا قليل من حاشية القوم ، من عبيد وإماء ، وصغار ، وإلا بعض من أهل اللّين والتواضع ، ممن لا يراهم القوم من أصحاب الجاه والسلطان فيهم ! وهؤلاء الذين آمنوا من المستضعفين وأشباه المستضعفين ، هم علة أخرى من العلل المريضة التي تدعو القوم إلى خلاف النبيّ ، والوقوف في الجانب الآخر المعادى له . .
« أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ »
؟ وهذا ضلال في التفكير ، وسفاهة في الرأي . . فإن أول المستجيبين لأنبياء اللّه ورسله ، كانوا دائما من عامة الناس ، ممن لا يمسكهم الخوف على جاه أو سلطان أن يذهب به الدين الجديد . . وهكذا الشأن في دعوات الإصلاح والتجديد . . إن أكثر الناس حربا عليها ، ووقوفا في وجهها ، هم أصحاب المصالح من ذوى الرئاسات المدنية أو الدينية . . على حين يكون أقرب الناس إليها ، وأكثرهم استجابة لها هم من خلت أيديهم من كل سلطان مادّيّ ، أو روحيّ ! هكذا موقف النبيّ مع قومه ، وهكذا كان موقف نوح مع قومه . . ولا يملك نوح إزاء هذا العناد الغاشم ، إلا أن يرفع شكاته إلى ربّه ، قائلا :
« رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ »
. . وإلا أن يسأله الحكم بينه وبينهم في هذا الموقف ، الذي بلغ الغاية من التأزم والحرج بينه وبينهم . . فهو إما أن يمسك عن الدعوة إلى اللّه ، وإما أن يرجموه . . ولا ثالث غير هذين . .
« فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
. . أي فاحكم بيني وبينهم ، فإن اللّه هو الحكم العدل ، الذي يقضى بهلاك الظالمين ، ونجاة المؤمنين . . ولهذا طلب نوح النجاة له ، ولمن معه من المؤمنين ، من هذا البلاء الذي يحمله حكم اللّه في القوم الكافرين . . وقد نجّى اللّه نوحا ومن معه ، وأغرق الكافرين الضالين .