تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
فلو أن إنسانا ملك الدنيا كلها بين يديه لاستحوز عليها لنفسه ، ولأبى أن يشاركه أحد فيما ملك . . وأكثر من هذا . . فإنه لو أن إنسانا من الناس ملك خزائن رحمة اللّه التي لا تنفد أبدا على الإنفاق منها ، لما أعطى أحدا منها شيئا . . لا لشئ ، إلا لأنه يريد بهذا أن يكون السّيد المفرد بين الناس ! فالإنسان يرى أخاه الإنسان منافسا خطيرا له ، وفي مجال هذا التنافس يقوم ، بين الناس والناس التحاسد ، حتى ليتمنّى بعضهم لبعض الفقر والحاجة ! على حين أن الإنسان لا ينفس على المخلوقات الأخرى ما حباها اللّه به من قوة أو سلطان أو جمال ! وقد قيل : « لا كرامة لنبيّ في وطنه » . . وللّه درّ المعرّى إذ يقول :
أولو الفضل في أوطانهم غرباء * تشذّ وتنأى عنهم القرباء
ومن هنا كانت العداوة أشدّ بين الناس كلّما تشاكلت أحوالهم ، وتقاربت ديارهم ! - ففي قوله تعالى :
« لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ »
كلام محذوف ، تقديره : لأمسكتم خشية أن تنفقوا فتتسع أرزاق الناس ، ويكثر الخير في يدهم ، وفي هذا ما يفوت عليكم مقام التفرّد ، والاستعلاء على الناس ! - وقوله تعالى :
« وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً »
هو حكم عام على الناس في جملتهم ، وأنهم يمسكون أيديهم عن الإنفاق ، ولو كان لأحدهم ملء الأرض ذهبا ، ليحقّق ذاته ، ويفردها بين الناس بما جمع من كنوز الدنيا . . والرسول الكريم يقول : « لو كان لابن آدم واديان من ذهب لمنّى ثالثا ! ! » . . وإنه ليس به من حاجة إلى هذا الثالث ، بل إنه ليكيه القليل مما ضمّ عليه أحد الواديين . . ولكنه كما قلنا - الأثرة وحبّ الذات !
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 558 | عبد الكريم الخطيب