أولهما : أنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - ليس إلا بشرا مثلهم ، وأنه محكوم بهذه البشرية التي تحكمهم ، وأنه بحكم هذه البشرية ليس مما يحسب عليه ، أو ينقص من قدره ألّا يأتي بشيء من هذه المقترحات التي اقترحوها عليه . . لأنها خارجة عن حدود البشر .
وثانيا : أنه رسول ، ومن شأن الرسول ألّا يخرج عن الحدود التي رسمها له من أرسله ، وإلا كان خائنا للرسالة ، وحينئذ يكون ما يعمله أو يقوله هو لحسابه الشخصي ، وفي حدود مقدرته . .
والرسول حريص على أداء الرسالة التي أمر بتبليغها ، ملتزم الحدود المرسومة له . . فإذا حدثته نفسه بالخروج عن حدود رسالته ، فمعنى هذا أنه انسلخ عن صفته تلك ، ولم يعد رسولا ، وأصبح مجرد « بشر » لا صلة له بالسماء . . وإذا كان كذلك ، فإنه ليس له سبيل إلى الإتيان بشيء من هذه المقترحات التي يقترحها المشركون عليه ، والتي هي فوق طاقة البشر ! ففي هذا الرد المعجز :
« هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا »
إفحام لهؤلاء المشركين ، الذين يجهلون تلك البديهيات ، وهي أن الرسول الذي يقترحون عليه هذه المقترحات ، هو بشر منهم ، قبل أن يكون رسولا ، وأن كونه رسولا لا يخرجه عن بشريته ، وأنه إنما يعطى ما تقدمه له السماء ، كما يقول اللّه سبحانه وتعالى له :
« قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ » *
( 110 : الكهف ) وكما يقول سبحانه :
« وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ »
( 44 - 47 : الحاقة ) .
قوله تعالى :
« وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا »
. .
الناس ، هنا ، هم مطلق الناس ، في كل زمان ومكان . . والمراد بهم