تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
فمن كان يقع في تقديره أن تلك الأحداث التي بدأت بها قصة يوسف ؛ من إلقائه في الجب ، إلى وقوعه في يد جماعة من التجار ، إلى بيعه لرجل من مصر ، إلى كيد امرأة العزيز له ، وتآمرها مع جماعة النسوة عليه ، إلى إلقائه في السجن بضع سنين - من كان يقع في تقديره أن هذه الأحداث ينسج من خيوطها عرش ، ويصاغ من حصاها تاج ، ويولد من تصارعها ملك يجلس على هذا العرش ، ويتوّج بهذا التاج ؟ إن ذلك لا يكون إلا من تدبير حكيم خبير ، يمسك الأسباب بلطفه ، فإذا هي طوع مشيئته ، ورهن إرادته ، فيخرج الحىّ من الميت ، ويخرج الميت من الحىّ ، ويجعل من المكروه محبوبا ، ومن المحبوب مكروها :
« وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ . . وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
( 216 : البقرة ) :
« فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً »
( 19 : النساء ) - وفي قوله :
« إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ »
إشارة إلى أن لطف اللّه سبحانه وتعالى ، وتدبيره المحكم لما يريد ، إنما هو عن علم العليم ، وحكمة الحكيم ، لا يشاركه أحد في علمه وحكمته ، فبعلمه المحيط بكل شئ ، تتولد الأسباب والمسببات ، وبحكمته البالغة ، تقدّر الأمور ، وتحكم في أسبابها . . وذلك هو اللطف في كماله وتمامه ، فلا يقع شئ في ملك اللّه إلا كان اللطف سداه ولحمته ! .
« رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ . . فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ »
. . بهذه الابتهالات وتلك التسابيح ، يستقبل يوسف هذه النعم التي أنعم اللّه