تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
وفي الآية الكريمة صورة كاشفة لهذا الإنسان الذي مكّن اللّه سبحانه وتعالى له من القوى الجسدية والعقلية ، فاتخذ منها أسلحة يحارب بها اللّه ، ويتسلّط بها على خلق اللّه ، فلو أنه عقل ونظر إلى نفسه في مرآة الزمن ، حين يمتد به العمر ، لرأى كيف يكون حاله من الضعف والوهن . . وإذن لأقام حسابه مع هذه القوة التي بين يديه على العدل والإحسان ، ولأبقى لنفسه رصيدا من الخير والمعروف . . يحتفظ به في يد الحياة ، لتقدّمه له في تلك المرحلة الحرجة في حياته . . قوله تعالى :
« وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ . . فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
. . ؟ هذا التفاوت بين الناس ، فيما فضّل اللّه به بعضهم على بعض ، في الرزق ، يشير إشارة صريحة إلى أنه ينبغي أن يكون هناك تفاوت بين الخالق والمخلوق . . ذلك أنه إذا كان الناس وهم من صنعة الخالق ، لم يطبعهم اللّه سبحانه وتعالى على صورة واحدة ، ولم يقمهم في الحياة على درجة واحدة ، بل خالف بينهم في الصورة ، واللون ، ففيهم الوسيم والدميم ، والطويل والقصير ، والأبيض والأسود - كذلك قسم اللّه معيشتهم في الدنيا ، فجعل فيهم الغنىّ والفقير ، والمالك والمملوك - فكيف يسوغ بعد هذا أن يسوّى بين الخالق وما خلق ؟ فهؤلاء الذين وسع اللّه لهم في الرزق ، وملأ أيديهم من الجاه والمال والسلطان - أيكون منهم من يردّ ما بين يديه من مال ومتاع على من تحت يده من عبيد وإماء ، حتى يسوّى بينه وبينهم في المأكل والمشرب ، والملبس ، وفي كل مظاهر الحياة ؟ ذلك ما لا يكون ، وإن كان شئ منه ، فهو واقع - في صورة لا تزيل الفارق بينه وبين من تحت يده ، وإن ارتفع بهم شيئا قليلا !