تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وأن تسلك السبل التي يسّرها اللّه سبحانه وتعالى لها ، وأقام طبيعتها عليها ، بحيث لا حياة لها في غير هذه السبل ، وأنه إذ تسلك النحل هذه السبل - ولا بد لها أن تسلكها - يخرج من بطون تلك السبل شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس . . وهذا يعنى مرة أخرى أن النحل ليس إلا أداة من الأدوات العاملة في هذا الجهاز العظيم الذي يخرج من بطونه هذا الشراب . . وهذا يعنى مرة ثالثة ألا يقف نظر الإنسان عند النحل وما يخرج منه من شراب عجيب ، بل يجب أن يمتد النظر إلى آفاق فسيحة وراء أفق النحل . . فهناك الأزهار المختلفة التي يتغذى عليها النحل ويمتص رحيقها ، وهي ألوان وطعوم . . كل لون منها ، وكل طعم ، فيه نظر لناظر ، وعبرة لمعتبر . . فليس هذا الشراب المختلف الألوان الذي يخرج من بطون النحل - بأعجب من هذا الزهر المختلف الأصباغ الذي يخرج من بطون الأرض . . ثم هناك أيضا هذا التجاذب ، والتوافق بين الزهر والنحل ، فإنه لولا هذا التوافق والتجاذب لما جاء هذا الشراب ، على صورته تلك . . فلو أنه كان من طبيعة النحل أن يتغذى بالحبّ ، أو اللحم ، أو ما شابه ذلك لما كان هذا الشراب . . فبطون النحل التي أخرجت الشراب ، وبطون الأرض التي أخرجت الزهر ، هي جميعا جهاز واحد في صنعة هذا الشراب المختلف الألوان ، الذي فيه شفاء للناس . وقوله تعالى :
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ »
. . هو آية من آيات اللّه في خلقه . . وهي الحياة والموت . . فقد قضت حكمة اللّه أن يقرن الموت بالحياة ، وأن يصله بها ، ويسلطه عليها ، مع اختلاف مدة الحياة التي يحياها الكائن الحىّ . . ففي الناس مثلا من يموت جنينا ، ومنهم من يموت شابّا ، ومنهم من يموت شيخا ، ومنهم من يمتدّ به الأجل حتى يبلغ من العمر أرذله . . ! على أن النهاية هي الموت . . !
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 326 | عبد الكريم الخطيب