في موضع آخر من القرآن الكريم . . وهنا يقول لهم فيما بينه وبين نفسه أيضا :
« إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ »
أي خائفون .
وفي قوله تعالى :
« قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ »
إشارة إلى أن الملائكة قد وجدوا دلائل الخوف وأمارات النّكر تظهر على إبراهيم ، فقالوا له : « لا توجل » . . وهذا الموقف شبيه بالموقف الذي كان من الملائكة حين دخلوا على داود ، ففزع منهم ، فقالوا له . . لا تخف ، وفي هذا يقول اللّه تعالى :
« وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ . . قالُوا لا تَخَفْ »
( 21 - 22 : ص ) .
- وفي قولهم :
« إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ »
تعجيل بهذه البشرى ، لكي يطمئن قلبه إليهم ، وتأنس نفسه بهم ، وكي يذهب هذا الخبر العجيب بهذا الخوف الذي دخل عليه فجأة .
وقوله تعالى :
« قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ »
. ؟
إنكار من إبراهيم لهذه البشرى بالولد أن يجيئه ، وقد بلغ من الكبر حدّا انقطع فيه الأمل من الولد ، وانصرفت الرغبة عنده عن طلبه ، إذ فات الأوان الذي تهفو فيه النفس إلى الولد ، ويشتد الطلب له . .
وكان جواب الملائكة :
« قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ »
وكان هذا الجواب تصحيحا لمشاعر إبراهيم نحو الولد ، وأنه إذا لم يكن هو الذي يطلب الولد بعد هذا العمر الذي بلغه ، فإن إرادة اللّه هي التي جاءت بهذا الولد في هذا الوقت ، وفي هذه المرحلة من العمر . . وذلك هو الحقّ الذي لا بدّ أن يقع . . ومن ثمّ كان وقوعه في هذا الوقت هو أنسب الأوقات ، حسب تقدير اللّه ، وكان تأخيره إلى هذا الوقت لحكمة يعلمها اللّه ، وإن خفيت على إبراهيم ، وغاب عنه ما وراءها من خير .