قوله تعالى :
« ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
.
في هذه الآية ما يؤيد الفهم الذي فهمنا عليه الآية السابقة ، من أنها دعوة إلى النبىّ - صلوات اللّه وسلامه عليه - أن يرفق بنفسه ، وألا يجعل من همّه أن يقيم الناس جميعا على طريق الإيمان ، فذلك أمر لا يقع أبدا .
- وفي قوله تعالى :
« ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ »
توكيد لهذه الدعوة ، وإخلاء ليد النبىّ الكريم من الإمساك بهؤلاء الذين يحرنون عليه ، ويشردون منه . . فليدعهم وما اختاروا لأنفسهم من حياة ، كل همهم فيها أن يأكلوا ، ويتمتعوا ، ويتلهّوا بالآمال الكاذبة ، التي تقيم لهم من دنياهم تلك ، عالما من سراب ، تتراقص على أمواجه عرائس زائفة ، ينخدع لها الحمقى والسفهاء من الناس ، ويقطعون العمر في جرى لاهث وراءها ! - وفي قوله تعالى
« فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ »
تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين ، الذين رضوا بهذه الحياة ، واطمأنوا بها ، وأذهبوا طيباتهم فيها ، واستهلكوا وجودهم في لذاذاتها الفانية . . إنهم في سكرة يعمهون . . فإذا جاء أجلهم ، صحوا من سكرتهم ، ووجدوا ما عملوا من سوء حاضرا بين أيديهم ، يقودهم إلى عذاب السعير . .
قوله تعالى :
« وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ * ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ »
في هاتين الآيتين الكريمتين ، وعيد بعد وعيد ، لهؤلاء المشركين . .
وأنهم إذا كانوا لم يؤخذوا بكفرهم وعنادهم وضلالهم ، إلى هذا اليوم الذي هم فيه ، فما ذلك إلا لأن اللّه سبحانه وتعالى لم يأذن بهلاكهم بعد ، وذلك لما اقتضته حكمته . . فكل قرية لها عند اللّه أجل معلوم ، كما أن لكل إنسان