آيات اللّه تلك ، ففيها الهدى لمن نظر واعتبر . . ولكن قليل من الناس هم الذين ينظرون ، ويعتبرون ، ويهتدون . . أما أكثرهم فهم عن ذكر ربّهم معرضون ، وبآيات اللّه ، وبرسله ، يمكرون . . ومن هنا كان المؤمنون دائما قلّة بالنسبة إلى أهل الزيغ والضلال . . كما يقول الحق تبارك وتعالى :
« وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ »
( 103 : يوسف ) . . وكما يقول سبحانه :
« وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً »
( 89 : الإسراء ) . . وكما يقول جل شأنه :
« وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
( 116 : الأنعام ) .
- وفي قوله تعالى :
« رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ »
تقرير لهذه الحقيقة الواقعة في الحياة ، وهي أن أكثر الناس هم الكافرون ، وأقلّهم هم المؤمنون . . وأن هذه الآيات البينات التي بين يدي النبىّ الكريم لن يكون منها أن تهدى الناس جميعا ، فليوطن النبىّ نفسه على هذا ، وليعلم أنه مهما اشتد حرصه على هداية قومه ، فلن يهتدوا جميعا ، وحسبه أن يستنقذ من الكفر والضلال ، تلك القلّة الكريمة التي استجابت له . . فقليلها خير من كثير .
فليحمل النبىّ الكريم هذا النور الذي بين يديه ، وهو على علم بأنه يشق طريقه وسط ظلام كثيف ، وأن قلّة من الناس ، هي التي تكتحل عيونها بهذا النور ، فتتبعه ، وتهتدى به إلى اللّه ! وفي هذا عزاء للنبىّ ، وتسرية له من الهموم التي كان يعانيها ، من تأبّى قومه عليه ، وعنادهم له . . فتلك هي سنّة الحياة ، وأولئك هم الناس ! ! فالآية الكريمة هنا ، هي خطاب خاص للنبىّ الكريم ، يراد به أن يتخفف النبىّ كثيرا من مطامحه في إقامة الناس جميعا على طريق الإيمان ، حتى لا تذهب نفسه حسرة ، على هؤلاء الذين يموتون بين يديه ، وهم على ضلالهم وشركهم ، كما