وهم إذ كانوا في دنياهم هذه في عافية ، ولم يؤاخذوا بما أجرموا ، فليس ذلك عن غفلة من اللّه تعالى عن أعمالهم - تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا - وليس عن تجاوز عنهم ، إذ هم ليسوا أهلا لأن يحلّوا في ساحة المغفرة . . وإنما يؤخرهم اللّه ليوم تشخص فيه الأبصار ، أي تتجمد الأبصار ، فلا تطرف ، لهول ما ترى ، حيث يمسك بها هذا الهول ، ويشدّها إليه هذا البلاء ، فتسكن وتجمد ! قوله تعالى :
« مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ »
. . تبيّن هذه الآية حالا من أحوال هؤلاء الظالمين ، وهم في موقف الحساب والمساءلة ؛ وبين يدي هذا الهول العظيم ، الذي تنقلب فيه طبيعتهم ، ويغيب عنهم صوابهم ، وتفلت منهم جوارحهم . .
- وفي قوله تعالى : « مهطعين » إشارة إلى أنهم يساقون سوقا عنيفا من قبورهم إلى ساحة المحشر . . كما يقول سبحانه :
« يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ »
( 43 : المعارج ) وكما يقول جل شأنه :
« مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ . . يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ »
( 8 : القمر ) .
والمهطع : هو المسرع .
- وقوله تعالى :
« مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ »
أي مطأطئى الرؤوس ، ذلة ، وانكسارا ، وضعفا عن حمل هذا الهمّ الثقيل الذي ينوءون تحته ، من بلاء هذا الهول العظيم .
- وقوله تعالى :
« لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ »
أي مأخوذة أبصارهم ، إذا وقعت على هول من أهوال المحشر لصقت به ، ولم تعد إلى أصحابها . . فذلك هو اليوم الذي تشخص فيه الأبصار !