تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 918

مساهمون:

ص٩١٨
فالتفقّه في الشريعة ، ومطالعة آياتها المعجزة ، والوقوف على ما فيها من روائع الحكمة ، وأسرار الوجود - هو الذي يقيم في نفس المسلم إيمانا صحيحا ، ومعتقدا سليما متمكنا ، يهيئ للمجتمع الإسلامي ، الإنسان المؤمن الذي يجاهد في سبيله ، ويستشهد من أجل حمايته ، ودفع يد المعتدين عليه . . وليس معنى النّفر هنا شدّ الرحال ، وقطع الفيافي والقفار ، بل إن معناه شدّ العزائم ، وتوقّد الهمم ، واستجماع النفوس ، وإخلاص النيّات ، والتجرد لتلقّى العلم ، والصبر على معاناة الدرس والنظر . . ذلك أن تحصيل العلم ، وقطف ثمراته ، ليس بالأمر الهيّن ، الذي يقع لأي يد تمتد إليه ، ويستجيب لأي عين تطمح إليه ، وتطمع فيه - وإنما هو كالجهاد في ميدان القتال ، حيث لا يكتب النصر للمجاهدين إلا بركوب الأخطار ، وملاقاة الأهوال ، ومصادمة الموت . . ومن هنا تعادلت كفّة العلماء مع كفة المجاهدين . . كما ورد في الحديث : « يوزن مداد العلماء بدم الشهداء » . . ! وليس النفر محدودا بالنّفر إلى الجهاد في سبيل اللّه ، ولا بالنفر لطلب العلم ، وإنما هو أيضا ينسحب إلى كل ميدان من ميادين العمل والكفاح . . فحيثما كانت مشقة ومعاناة يحملها لإنسان في صبر وعزم ، في مجال العمل الصالح النافع له ولغيره ، فهو نفر إلى الجهاد ، وصاحبه في حساب المجاهدين ! وعلى هذا نفهم الآية الكريمة على أنها دعوة للمجتمع الإسلامي أن يملأ كل ميادين العمل في الحياة ، وأن يأخذ كلّ مسلم المكان المناسب له ، وأن يعمل في الميدان الذي يمكن أن يعطى فيه أفضل ما تجود به ملكاته وقدراته ، العقلية ، أو الجسدية . . وشرط واحد هو الذي ينبغي أن يكون عليه العامل ليكون مجاهدا ، هو أن يخلص لعمله ، وأن يعطيه كل جهده ، وأن يبذل له