- وكذبوا وخرسوا - فإن في عالم الافتراء متسعا لمن شاء أن يتعامل معه ، ويحمل من معطياته ما يشاء . . فليفتروا عشر سور من مثل هذا القرآن ، في بيانه لعجز ، وآياته المشرقة ، وفي تعاليمه الحكيمة ، ووصاياه الرشيدة . .
ثم إن لهم أن يستعينوا بمن يستطيعون الاستعانة به ، من أحبار وكهان ، ومن شعراء وخطباء ، ومن قصّاص ومحدّثين . . فهذه هي الدنيا كلها ، وهؤلاء هم أهلها جميعا ، فليقلّبوا وجوه الأرض كلها ، وليجمعوا إليهم أهل العلم جميعا . . ثم ليأتوا بعشر سور مثله مفتريات . . فإنهم إن فعلوا - وهيهات - فقد صحّ قولهم في القرآن إنه مفترى ، وصدق حكمهم عليه بأنه من عمل محمد ، ولا نسبة له إلى اللّه . .
أما إن عجزوا ، بعد أن يجهدوا جهدهم ، ويبلوا بلاءهم ، ويدعوا من استطاعوا ، فليحكموا هم على أنفسهم بأنهم هم المفترون ، وأنهم هم الكاذبون ، فيما قالوه في القرآن الكريم . . وليعلموا أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم اللّه ، ومن عند اللّه . . فهل يرجعون بعد هذا عن غيّهم وضلالهم ، ويذعنون للحق الذي فضح نوره ما قد علا وجوههم من خزى وذلّة ، بين يدي هذا الامتحان الذي خرّوا فيه صرعى لأول جولة ، في ميدان التحدّى ؟
والضمير في قوله تعالى
« فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ »
يعود إلى من يدعوهم المشركون ، من الأعوان والأنصار ، ويستعينون بهم في افتراء عشر سور من مثل هذا القرآن . . وفي هذا إشارة إلى أن المشركين أنفسهم لا يستطيعون أن يردوا هذا المورد ، ولا أن تحدثهم أنفسهم بالوقوف أمام القرآن الكريم فقد عرفوه ، وعرفوا علوّ منزلة ، وأنه أبعد من أن تطوله يد إنسان . .
وإذن ، فهم إذا اتجهوا إلى التحدّى فلن يتجهوا إلى أنفسهم ، إذ قد فرغ حسابهم معها من أول لقاء مع القرآن . . وأنه إذا كان سبيل إلى لقاء