تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1109

مساهمون:

ص١١٠٩
قوله تعالى :
« وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ »
. هو عرض كاشف لحال الإنسان ، وموقفه من نعم اللّه ونقمه . . فهو إذا أذاقه اللّه سبحانه وتعالى طعم نعمة من نعمه ، وذلك من رحمة اللّه به ، وإحسانه إليه - سكن إليها واطمأن بها ، وشغله الاستمتاع بها عن ذكر اللّه ، بل وعن الإيمان باللّه . . ! فإذا نزع اللّه سبحانه وتعالى منه هذه النعمة - وذلك بسبب ما كان منه من انحراف عن اللّه ، ليكون له من ذلك نخسة تذكره باللّه - إذا فعل اللّه سبحانه وتعالى ذلك به ، يئس من رحمة اللّه ، وكفر به وبآلائه ، ولم يعد يذكر شيئا مما كان للّه عليه من فضل . . فإذا عاد اللّه بفضله عليه ، وأذاقه من رحمته ، لم يذكر اللّه ، وإنما يذكر نفسه ، ويشغل عن اللّه بالفرحة ، بزوال هذا البلاء الذي كان فيه ، ويستعلى على الناس تيها وفخرا . وفي التعبير عن النعم بالرحمة ، إشارة إلى أنها من فيض رحمة اللّه على عباده . . وفي التعبير عن زوال النعمة بالنزع ، إشارة إلى أن هذه النعمة كانت ثوبا ستر اللّه به من أنعم عليه بها ، فلما لم يؤدّ ما لهذا النعمة من واجب الشكر للّه عليها ، واتّخذ منها سلاحا يحارب به اللّه ، ومطية يمتطيها إلى تخطى حدوده - انتزع اللّه هذا الثوب الذي كان يستره به ، وأخذه بقوله سبحانه :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »
( 53 : الأنفال ) . وقوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ »
- هو استثناء من هذا الحكم العام الواقع على الإنسان في جنسه كله ،
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1109 | عبد الكريم الخطيب