تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1087

مساهمون:

ص١٠٨٧
واستدراكا معا . . لفظها الاستثناء ، ومعناها الاستدراك . . وذلك من خصوصيات النظم القرآني وحده ! وعلى هذا فمعنى الآية الكريمة : هلا أسرعت مكة إلى الإيمان بالنبي المبعوث منها وفيها ، فانتفعت بهذا الإيمان قبل غيرها ، لأنها أولى به ، إذ كان مطلعه في أفقها ؟ ولكن الواقع أنها لم تؤمن ، فحرمت هذا الخير ، وأصبحت في معرض نقمة اللّه وبلائه . . هذا هو موقف هذه القرية ، وذلك هو حال معظم الأقوام مع أنبيائهم . . إلا قوم يونس ، فإنهم آمنوا ، فنجاهم اللّه من العذاب الذي أوشك أن يحل بهم ، ومتعهم بما كانوا فيه ، إلى أن انتهت آجالهم المقدورة لهم . . - وفي قوله تعالى :
« لَمَّا آمَنُوا »
إشارة إلى أن قوم يونس لم يبادروا بالاستجابة لرسولهم ، بل كان منهم تلكؤ وتعلل ، ولكنهم آمنوا آخر الأمر ، فتداركهم اللّه برحمته ، وشملهم بعفوه . وانظر في « لمّا » هذه ، واستمع إلى ما يقع لأذنك من نغمها الممتد المتماوج ، وما فيه من رعشة واهتزاز ، تجد أنها تحكى في دقة وروعة تلبّث القوم ، وتلكئهم واضطراب خطوهم ، قبل أن يؤمنوا ، ويستقيموا على طريق الحق ! وانظر مرة أخرى في هذا الذي لمحته من الحرف « لمّا » وما طلع عليك به من إشارات مضيئة ، كشفت لك عن حال تلك القرية ، قرية يونس ، وما كان من توقفها ، وتلكئها ، ثم استجابتها لرسولها ، والإيمان بربها ، والانتفاع بهذا الإيمان - تجد وجها آخر من وجوه الإعجاز القرآني ، فيما يجئ به من أنباء الغيب ، وأن قريشا ستأخذ مأخذ قوم يونس ، وأنهم إذ يقفون من النبي هذا الموقف العنيد العنيف ، ستكون خاتمة أمرهم ، الإيمان باللّه ، والانتفاع بهذا