وهل هناك قوة بشرية قادرة على أن تشقه هكذا بين الأمواج المتلاطمة ؟
إنه لو توقف قليلا وتدبّر الأمر لعلم أنه أمام معجزة قاهرة ، وأن عليه أن يراجع نفسه ، وأن يؤمن باللّه الذي يدعوه موسى إلى الإيمان به . . ولكنه يمضى فيركب هذا الطريق ، غير ملتفت إلى شئ ، إلا النقمة من بني إسرائيل ، الذين هربوا بليل ، وخرجوا عن سلطانه ، وأفلتوا من يده . . ثم ها هو ذا البحر يطبق عليه ، ويدركه الغرق ، ويطل عليه شبح الموت ، فيصرخ من أعماقه طالبا الغوث والنجاة . . ثم تخطر له خاطرة يرى في التعلق بها نجاته من هذا الموت المحقق . . إن بني إسرائيل قد ركبوا هذا الطريق ، فوصل بهم إلى شاطئ النجاة ، وإن الذي فعل بهم هذا هو إلههم الذي آمنوا به ، وأنه لو آمن بهذا الإله لنجّاه كما نجاهم . . هكذا فكّر وقدّر وهو في هذا البلاء :
« حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ »
لقد تخلّى عن آلهته التي كان يعبدها ، إذ تخلت هي عنه في هذه الشدة ، وإنه ليؤمن بالإله الذي آمنت به بنو إسرائيل . . إنه الإله الحق ، وكل آلهة غيره باطل وضلال . . ! هكذا يقول . . وهكذا يلقى الجواب :
« آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ »
؟ . الاستفهام هنا إنكاري ، ينكر على فرعون هذه الدعوى ، وأن إيمانه باللّه غير مقبول منه ، إذ جاء وقد بلغت الروح الحلقوم ، وأشرفت به على العالم الآخر ، فرأى الحق عيانا . .
واللّه سبحانه وتعالى يقول :
« وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
( 18 : النساء ) .
لقد آمن فرعون ، ولكنه إيمان المضطر المكره ، وإنه
« لا إِكْراهَ فِي