تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 988

مساهمون:

ص٩٨٨
بمعنى تكون ، أو توجد ، على حال من الاستقرار والثبات . . يقال غنى بالمكان ، أي أقام فيه واستقرّ . وفي إسناد الاستقرار إلى الأرض ، مع أن الاستقرار إنما هو لأهلها ، إشارة إلى أنها بما لبسها من حياة ، وما نبض في عروقها وشرايينها من دماء هذه الحياة ، وما تزينت به من حلل وحلى . قد أصبحت كائنا حيّا ، مستغنيا بما اجتمع له من هذا المتاع والزخرف . . وفي تشبيه الحياة الدنيا ، وما يلبس الناس فيها من ألوان الحياة والسلطان ، وما يقع لأيديهم منها من مال ومتاع - في تشبيه هذه الحياة بالماء الذي ينزل من السماء ، فيختلط بنبات الأرض ، ويلبس هذه المظاهر التي يشكلها من هذا النبات ، ويصيرها جنّات وزروعا ، وزهرا ، وفاكهة وحبّا . . - في هذا التشبيه إعجاز من إعجاز القرآن ، وآية من الآيات الدالة على علوّ متنزّله . . فالإنسان عنصر من عناصر هذه الحياة ، ومادة من موادها . . إنه ماء من هذا الماء . . هكذا هو في أصله ومادة تكوينه . . يقول تبارك وتعالى :
« أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ »
( 20 : المرسلات ) . ويقول سبحانه :
« خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً »
( 54 : الفرقان ) . . ويقول جل شأنه :
« فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ »
( 5 - 6 : الطارق ) . هذا الإنسان الذي هو ابن الماء . . يخالط الحياة ، ويتحرك في أحشاء الوجود ، وسرعان ما يصبح هذا الكائن ، أو هذا الكون الذي يمشى على الأرض ، وكأنه جنة قد أخذت زخرفها وازينت . . بملء الأرض تيها وعجبا ، ويمشى عليها مختالا فخورا ، يكاد يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا . . وهذا الماء الذي ينزل من السماء ، ويختلط به نبات الأرض ، وقد عرفت
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 988 | عبد الكريم الخطيب