تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 826

مساهمون:

ص٨٢٦
لما يقتضيه السياق ، وهو أن يعود الضمير على اللّه والرسول هكذا : « يرضوهما » - في هذه المخالفة ما يشعر بأن في رضى اللّه رضى الرسول ، وأن في رضى الرسول رضى اللّه سبحانه وتعالى . . إذ ليس فيما يرضى اللّه ما لا يرضى الرسول ، ولا فيما يرضى الرسول ما لا يرضى اللّه . . ولو جاء النظم على ما يقتضيه ظاهر السياق ، فجاء هكذا : « واللّه ورسوله أحقّ أن يرضوهما . . » - لكان من معنى هذا ، أن للّه سبحانه وتعالى ما يرضيه من عباده ، وأن للرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - ما يرضيه منهم ، وأن هذا الذي يرضى اللّه ، وذلك الذي يرضى الرسول ، قد يتفقان ، وقد يختلفان . . أما الذي جاء عليه النظم القرآني ، فإنه لا يدع مجالا لهذا الاحتمال ، بل يجعل التوافق تأمّا مطلقا ، بين ما يرضى اللّه ، ويرضى رسول اللّه . . وفي هذا - فوق أنه تكريم للرسول ، وتنويه بقدره ، وتشريف للرسالة الكريمة التي يحملها - هو إعجاز من القرآن ، في إحكام نظمه ، وصدق أدائه ، ووزن كلماته وحروفه ، بمعيار لا تستطيع قوة بشريّة أن تمسك به ، لدقّته ، وعلوّه عن مستوى الحواس والمدركات . ومن جهة أخرى ، فإنه لو عاد الضمير على اللّه والرسول معا ، لكان فيه إخلال بمقام الألوهية ، وتسوية الخالق بمخلوق من مخلوقاته ، واللّه سبحانه وتعالى منزّه عن أن يشاركه في جلاله بشر ، ولو كان أكرم الخلق عليه ! . فاقتضى هذا المقام أن يجئ الضمير مفردا ، يعود إلى اللّه سبحانه ، وكفى الرسول الكريم شرفا أن يجئ تابعا للّه سبحانه فيما يرضيه . . وعلى هذا جاء قوله تعالى :
« وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ »
ولم يجئ النظم هكذا : « أن اللّه ورسوله بريئان من المشركين . . » فهذا وذاك على سواء .