تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
والشر والأشرار دائما مسلّطون على الأخيار . . إن سالموهم فلن يسلموا منهم ، وإن كفّوا أيديهم عنهم بسطوا هم أيديهم إليهم بالبغي والعدوان . . هكذا تجرى الحياة فيما بين الشر والخير ، وفيما بين الأشرار والأخيار ! كانت دعوة المسيح - عليه السلام - دعوة كلها سلام خالص ، بل هي استسلام مطلق لكل ظلم وبغى وعدوان . . هكذا كانت دعوة المسيح ، وهكذا كانت سيرته وسيرة حوارييه وأتباعه ، تحكمهم جميعا دعوة المسيح المشهورة ، والتي تكاد تكون عنوان الرسالة المسيحية : « سمعتم أنه قيل عين بعين ، وسنّ بسن ، وأما أنا فأقول لكم : لا تقاوموا الشرّ ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا ، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا » ( 5 : إنجيل متى ) . فما ذا كان نتاج هذه الدعوة ؟ هل سلم أتباعها من الأشرار ؟ وهل كان موقفهم السلبي من المعتدين الآثمين شفيعا يشفع لهم عند هؤلاء المعتدين ، أو يخفف ممّا يرمونهم به من ضر وأذى ؟ وهل سلم المسيح نفسه إذ سالم الناس ، واستسلم لهم ؟ الحق أنّ ذلك كان إغراء لأهل السوء بأهل الصلاح والتقوى . . إذ أنهم ما إن علموا بأن المسيح وأتباعه لا يقابلون الشرّ بالشرّ والعدوان بالعدوان ، حتى تسابقوا إلى مدّ يديهم إلى هذه المائدة الممدودة ، لكل من يريد إشباع شهوته إلى البغي والعدوان ، أو إرواء ظمئه إلى التسلط والقهر وإذلال الناس . . فما أكثر الجياع في الناس إلى البغي والعدوان ، وما أكثر الظمأى فيهم إلى التسلط على الناس وقهرهم وإذلالهم . . ! فكم لقى المسيح ولقى أتباعه من ضرّ وأذى ؟ وكم احتملوا من بلاء
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 654 | عبد الكريم الخطيب