تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
منها الرائي ، الواقع كما هو ، بل يراه كدلالة من دلالات الواقع ، أو إشارة من إشاراته . وانظر كيف كان تدبير اللّه ، لما أراد من إنفاذ ما أراده ، وإيقاع ما قضى بوقوعه . . فلقد أراد - سبحانه - أن يلتحم الفريقان في القتال ، وأن يغرى كلّ من الفريقين بصاحبه ، وأن يحمله الطمع في الظفر به على خوض المعركة معه ، وإبلاء بلائه فيها . . فالمسلمون يرون عدوّهم في قلّة ظاهرة . . قلّة في العدد ، وقلّة في البلاء والقدرة على احتمال صدمة المسلمين لهم . . وهذا ما يثبّت أقدام المسلمين في القتال ، ويربط على قلوبهم في المواجهة ، ويطمعهم في عدوّهم ويغريهم به . . ولو أنهم رأوا المشركين على ما هم عليه في ظاهرهم لزلزلت أقدامهم ، واضطربت قلوبهم ، ولربّما فرّوا من وجه عدوّهم ، واستسلموا له من غير قتال . .
« وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ »
. . وأما المشركون فقد أراهم اللّه المسلمين على ما هم عليه من قلّة ، وربّما رأوهم في أعينهم أقلّ من هذه القلّة التي كانوا عليها . . وهذا من شأنه أن يبعث في نفوس المشركين ، أو في كثير منهم ، مشاعر الاستخفاف بالمسلمين ، وعدم المبالاة بهم ، وأخذ الحذر منهم . . وبهذا يفوتهم كثير من إحكام التدبير ، كما تتخلّى عنهم كثير من مشاعر الخوف التي تحمل الإنسان على استجماع قواه ، واستخراج كل رصيد في كيانه لدفع الخطر الذي يتهدده ! وهكذا يصنع اللّه لأوليائه ، فيمكّن لهم من أسباب النّصر ، ثم يضيف هذا النّصر إليهم ، ويدخله في حسابهم . . :
« إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ »