تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
أن يفيد منها ، وينتفع من الخير المخبوء في كيانها ، وفي هذا ما يدنيه من ربّه ، ويقرّبه من رحمته . وقوله سبحانه :
« وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ »
. . هو خطاب للنبىّ الكريم ، ينضوى تحته المؤمنون جميعا . . ومطلوب هذا الخطاب ، هو ذكر اللّه ، وشغل القلب به ، في صمت وخشوع ، وفي ضراعة لكبرياء اللّه ، وخوف ورهب لسطوته وجبروته . وهذا هو ذكر القلب ، حيث تسكن كل جارحة ، وحيث يكون الإنسان كله مشاعر خاشعة ، تلين بها الجلود ، وتفيض منها العيون ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ . مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ »
( 23 : الزمر ) . وهناك ذكر باللسان ، هو في درجة بعد هذه الدرجة ، ومنزلة دون تلك المنزلة ، التي هي من شأن القلب وحده . . وليس الذكر باللسان مجرد أصوات تردّد بكلمات اللّه وآياته ، فإن مثل هذا الذكر لا محصّل له ، ولا ثمرة وراءه . . وإنما يكون ذكر اللسان موردا من موارد الخير ، وطريقا قاصدا إلى الحق والهدى ، حين يستملى من قلب خاشع ، ويتلقّى من مشاعر مجتمعة ساكنة ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ »
. . فهو معطوف على قوله تعالى :
« فِي نَفْسِكَ »
أي اذكر ربّك في نفسك تضرّعا وخيفة ودون الجهر من القول » . . بمعنى : واذكر ربّك بلسانك كما ذكرته بقلبك ، ولكن بصوت خفيض ضارع تناجى فيه ربّك ، في غير ضوضاء أو جلبة ، وفي هذا استجماع للقلب ،
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 553 | عبد الكريم الخطيب