وردّوا إلى إرادته ومشيئته كل شئ ، ولو أنهم فعلوا ذلك لما كان لهم إلى هذه المعبودات التي عبدوها من دون اللّه وسيلة ، ولكانوا هم وهذه المعبودات سواء عند اللّه ، لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا . . ولكنهم إذ يقولون في مشيئة اللّه هذا القول الذي يحسبون أنه يخليهم من مسؤولية الشرك ، بل ويعفيهم من كل إثم - لا يؤمنون باللّه هذا الإيمان ، ولا يرونه الإله المتفرد بكل شئ ! وقد تحدثنا من قبل عن فساد هذا القول في بحثنا الذي قدمناه ، عن مشيئة اللّه ، ومشيئة الإنسان ، عند تفسير قوله تعالى :
« وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ . . »
( الآية : 111 ) من هذه السورة .
وقوله تعالى :
« كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا »
إشارة إلى ما بين أصحاب القلوب المريضة ، والنفوس الفاسدة ، من تشابه في التداعي إلى الشرّ ، والتجاوب مع الضلال . . وأنه كما كذّب هؤلاء المشركون وقالوا
« لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا »
قال كثير ممن سبقوهم إلى الشرك هذا القول ، فكان كفرهم وضلالهم ضربا من هذا المنطق الفاسد .
وفي قوله تعالى :
« حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا »
تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين إذا هم ظلّوا على ما هم فيه من شرك وضلال ، وأنهم سيلاقون ما لاقى أسلافهم الذين أشركوا ، ولم تنفعهم العبر والمثلات ، فأخذهم اللّه بذنوبهم ، وصبّ عليهم العذاب في الدنيا ، وسيلقون العذاب الأليم في الآخرة . .
وقوله تعالى :
« قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا »
مواجهة للمشركين بتهمة الشرك الذي تلبّسوا به متذرّعين بتلك الحجة الفاسدة التي يلقون بها كل دعوة تدعوهم إلى ترك الشرك . .
« لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا »
.
وهم مطالبون هنا بأن يقيموا هذا القول على علم من كتاب سماوي ، أو من عقل سليم . .