فلا يجد فيما حرّم اللّه عليه من خبائث ، تضييقا عليه ، ولا حرجا على أي طعام يشتهيه ، إذ كان إيمانه وتقواه ، وملازمته لتقوى اللّه وطاعته - إذ كان كل ذلك قد عزل نفسه ، وغضّ بصره عن النظر إلى هذه المحرّمات ، وحسابها فيما يطعمه الناس .
ولا شك أن هذه منزلة لا يبلغها الإنسان إلا بعد أن يروض نفسه على التقوى ، ويذلّلها بالعبادات والأعمال الصالحة ، التي تقيمها على الصبر ، والتعفّف والقناعة . . إذ كانت شهوات النفس غالبة ، وأهواؤها متسلطة ، والخبائث محمولة إليها على يد شيطان يزين الخبيث ويغرى به . .
« إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ . . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ »
. .
فالمؤمنون الذين تخلو أنفسهم من التلفّت إلى تلك المحرمات ، ولا يجدون لها في صدورهم وسواسا يوسوس بها ، أو داعيا يدعوهم إليها - هؤلاء المؤمنون هم قلّة في المؤمنين . . هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثم ازدادوا إيمانا بالتقوى والأعمال الصالحة ، ثم لزموا طريق التقوى والإيمان ، ثم انتهوا إلى التقوى والإحسان - فهؤلاء هم الذين يبلغون تلك المنزلة التي تطمئن فيها قلوبهم إلى الطيبات ، وتنقطع فيها وساوس الشيطان لهم بالمحرمات ، حيث ييأس من أن يلتفتوا إليه ، أو ينزع بهم منزع إلى شئ مما في يديه ، من خبيث كل مطعوم ومشروب .
فالآية الكريمة تكشف عن حقيقة الإيمان وأثره في إقامة النفس على طريق تلتقى فيه لقاء مصافحا لما أحلّ اللّه من طيبات ، حيث تجد في ذلك