تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
أولهما : إلفات المشركين إلى أنفسهم ، حتى يعيدوا النظر إلى تلك الحال التي تركهم النبىّ عليها . . وذلك في حال هم فيها في غير مواجهة صريحة مع النبىّ ، الذي يكشف أدواءهم ، ويقدّم لهم الدواء ، الأمر الذي كثيرا ما تتأباه النفوس المريضة ، وتزورّ به العقول السقيمة ، على خلاف ما إذا خلا أمثال هؤلاء بأنفسهم ، واطمأنوا إلى أن أحدا لن يطلع عليهم ، فإنهم عندئذ قد يتعرّون مما ركبهم من ظلام وضلال ، وقد يجد أحدهم الجرأة أمام نفسه فيفضحها ويهتك سترها ، وينخلع مما هو فيه ، ثم ينطلق إلى مطالع النور ، ومواقع الهدى . . وثانيهما : أن المسلمين إذ يرون ما تكشف آيات اللّه من سوء حال المشركين ، وما ينتظرهم من مصير مشئوم ، يزداد إيمانهم إشراقا وألقا ، ويبدو لهم أنهم أثقل ميزانا ، وأكرم مقاما من هؤلاء المشركين الذين يسومونهم العذاب ، ويأخذونهم بالبأساء والضراء . . وفي هذا عزاء جميل « للمسلمين » وتثبيت لأقدامهم على الطريق المستقيم . وفي قوله تعالى :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً »
اتهام للمشركين بما افتروا على اللّه ، وما شرعوا لأنفسهم من شريعة ، استملوها من أهوائهم الباطلة ، وتصوراتهم الفاسدة . . ومن هذا أنهم جعلوا للّه نصيبا مما « ذرأ » أي خلق « من الحرث » أي الزرع ، « والأنعام » . . فقالوا « هذا للّه بزعمهم » أي بما زعموه هم ، لا عن أمر سماوىّ من اللّه . . « وقالوا : « هذا لشركائنا » أي لآلهتهم التي عبدوها ، وجعلوها شركاء للّه ، يقدمون لها القرابين مما رزقهم اللّه ! وقوله تعالى :
« فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ »
أي فما جعلوه للّه جحدوه ، ولم يحرصوا على الوفاء