تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وفي هذا العرض يبدو المصير الذي يصير إليه كل ظالم ، حين تنتهى أيامه القصيرة في هذه الدنيا ، بحلوها ومرها ، وبلهوها وعبثها ، وإذ هو على مشارف الحياة الآخرة ، وملائكة الرحمن يمدّون أيديهم لانتزاع ثوب الحياة الذي يلبسه هذا الجسد ، الذي كان يمشى في الأرض مختالا فخورا ، يحسب أن ماله أخلده . . وما هي إلا لحظات ، يعالج فيها سكرات الموت ، حتى يكون جثة هامدة ، كأنه لقى ملقى على الطريق ، بل إنه يصبح سوأة يجب أن تختفى وتتوارى عن الأنظار ، وتغيّب في باطن الأرض . . وليس هذا فحسب ، بل إن ذلك هو بدء لمرحلة جديدة ، لحياة أخرى غير الحياة التي كان فيها . . إنه سيبعث من جديد ، ويلبس ثوب الحياة مرة أخرى ، ولكن لا ليكون مطلق السّراح ، يلهو ويعبث ، بل ليلقى به في جهنم ، وليكون وقودا لجحيمها المتسعر ! وفي قوله تعالى :
« أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ »
إشارة إلى هذا الأمر الملزم ، الذي يحمله الملائكة ، لقبض أرواح الظالمين ، وأن الملائكة ، وهم الموكلون بقبض هذه الأرواح ، يحملون هؤلاء الظالمين حملا على انتزاعها بأنفسهم ، وإعطائها لهم بأيديهم ، وفي هذا تنكيل بهم ، وإذلال وقهر لهم ، بأن يحملوا حملا على انتزاع حياتهم بأيديهم . . هكذا
« أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ »
. . وهل يعطى الإنسان نفسه بيده ؟ إنه لأهون عليه كثيرا أن ينتزعها أحد منه قهرا وقسرا ، من أن يكون هو الذي يقدّم بيديه أعزّ شئ يملكه ، بل كل شئ يملكه . . قوله تعالى :
« وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ »
هكذا يجد الظالمون أنفسهم يوم القيامة . . في وحشة قاتلة ، لا يلتفت أحد إلى أحد ، ولا يفكر إنسان في إنسان .
« لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ »
، عن أن يشغل بغيره ، أو ينظر إليه نظرة .
« وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ »
فليس مع الإنسان في هذا اليوم شئ
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 241 | عبد الكريم الخطيب