تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
فما ذا رأى ؟
« فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً »
أي كوكبا من تلك الكواكب السيارة ، كالزهرة مثلا . . وقد رصد إبراهيم هذا الكوكب منذ أطلّ على هذا العالم من الأفق الشرقي ، وتبعه في مسيره ، وكان كلما علا في السماء وازداد ألقا وإشراقا ، ازداد إبراهيم به تعلقا وشغفا ، إذ حسبه أنه الكائن الأعلى ، القائم على هذا الوجود . . فلمّا هوى إلى الأفق الغربي خفق قلب إبراهيم خفقة الخوف على هذا الذي تصوّره إلها ، أن يهوى وراء هذا الأفق ، فلمّا هوى أخلى إبراهيم بصره ، وعقله ، وقلبه منه ، ونفض يديه من هذا الإله ، كما ينفض الحىّ يديه من ميت عزيز ، أودعه القبر ، وهال عليه التراب . . وقال :
« لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ »
. . !
« فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي »
. . وتبعه في مسيرته من الأفق إلى الأفق . . حتى إذا هوى إلى المغيب ، ودفن وراء الأفق الغربي ، كاد يؤرقه اليأس من أن يعثر على الإله المنشود ، وقال :
« لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ »
. والسؤال هنا : كيف يطلب إبراهيم الهداية من ربّه ، وهو يبحث عنه ؟ والجواب : أن إبراهيم كان على يقين بأن لهذا الوجود ربّا ، وأن لتلك المصنوعات صانعا ، قادرا ، مدبّرا . . ولكن من هو ؟ وأين هو ؟ وكيف هو ؟ هذا ما يبحث عنه إبراهيم . . وهذا ما أشار إليه قوله تعالى :
« وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ »
فهو يؤمن بحدسه ومشاعره أن لهذا الوجود إلها ، وهو في بحثه هنا إنما ليعرف هذا الإله ، ويستيقنه . . وذلك قبل أن يختاره اللّه لرسالته . . وسؤال آخر : لما ذا كان أوّل ما نظر إليه إبراهيم من ملكوت اللّه ، هو الكوكب ،