وهنا في هذه الآيات ، يفضح اللّه اليهود ونفاقهم ، إذ يجيئون إلى النبىّ في صورة المؤمنين به ، كما أنهم مؤمنون بما في أيديهم من الكتب السماوية . .
ثم هم مع هذا لا يرضون بالاحتكام إلى القرآن أو التوراة والإنجيل ، وإنما يحتكمون إلى ما عندهم من ضلالات ومفتريات . .
« يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ »
وهو مجمع الباطل والضلال . .
« وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ »
إذ لا يجتمع إيمان باللّه وبكتبه ، مع الاطمئنان إلى الطاغوت والولاء له . . ! إن هؤلاء المنافقين إنما يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . . وإنه إذا كانت أفواههم تردد كلمات الإيمان باللّه ، والولاء لرسوله ، فإن قلوبهم منطوية على إيمان غير هذا الإيمان ، وسرائرهم منعقدة على ولاء غير هذا الولاء . . إيمان بالجبت ، وولاء للطاغوت :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً »
حيث يتصادم ظاهرهم مع باطنهم ، ويغلب نفاقهم على إيمانهم ، فيفرون من بين يدي هذه الدعوة التي يدعون فيها إلى الاحتكام إلى ما أنزل اللّه ، وإلى ما يقضى به الرسول .
وقوله تعالى :
« فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً »
تنديم لهؤلاء المنافقين بما يجرّ عليهم النفاق من شر وشؤم . وأن عاقبة هذا الالتواء الذي تجرى عليه حياتهم إنما هو الخزي والخذلان . . وأنهم حين يحيق بهم مكرهم السيئ ، واحتكامهم إلى غير كتاب اللّه ورسول اللّه ، يفزعون إلى الرسول بوجوه وقاح لا حياء فيها ، ويحلفون - كذبا - ما أردنا فيما فعلنا من الاحتكام إلى غيرك إلّا معالجة الأمر على الوجه الذي نبغي به حسم الخلاف ، والصلح بين المتخاصمين ! وهذا عذر غير مقبول منهم ، لأنهم لم يأخذوا طريقهم الذي سلكوه عن اجتهاد ، وإنما كان عن خلاف متعمّد للرسول ، ومنابذة له .