تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 819

مساهمون:

ص٨١٩
التفسير : الأمانات التي يأمر اللّه سبحانه وتعالى بأدائها إلى أهلها ، كثيرة ، متنوعة ، وأهلها كثيرون مختلفون ! فهناك أمانة عامة حملها أبناء آدم جميعا ، هي أمانة التكليف ، التي أبت عوالم السماء والأرض أن تحملها ، وأشفقت من حملها ، والقدرة على الوفاء بها . . وأمانة التكليف هذه ، هي التي أفردت الإنسان عن سائر المخلوقات ، بالعقل ، الذي به أصبح الإنسان سيد نفسه ، بما له من قوى التفكير ، والتقدير ، والإرادة . . فإن شاء تقدم ، وإن شاء تأخر ، حسب ما يرى ويقدّر ! ولهذا كان عالم الناس مجموعة عوالم ، بعدد أفراد الناس ، فردا ، فردا . . فكل إنسان عالم وحده ، في تفكيره ، وتقديره ، وعواطفه ، ومنازعه ، وسلوكه ، حتى لا يكاد يتساوى إنسان وإنسان بحال أبدا . . على خلاف الكائنات الأخرى ، علويّها وسفليّها . . كل عالم منها ينتظم جميع أفراده ، التي لا يختلف . فيها واحد عن آخر ، حتى لكأنها عدد مكرر من أعداد الحساب ! وهذا التفرد الذي كان للإنسان ، هو طموح جامح ، منّته به نفسه الغرور ، فارتفع إلى المستوي الرفيع الذي إن زلّت به قدمه فيه ، سقط من علو شاهق ، وهوى إلى أسفل سافلين . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ »
( 4 - 5 - 6 : التين ) فالإنسان إذ حمل هذه الأمانة - أمانة التكليف - أصبح سيّد الكائنات كلها ، لا سيّد فوقه إلا اللّه سبحانه وتعالى ، فهو بهذا الخلق القويم الكريم ظلّ اللّه في هذا الوجود ، تتخايل فيه لمحات من علم اللّه ، وقدرته ، وإرادته ، وكثير من صفاته ، سبحانه وتعالى علوّا كبيرا عن الشبيه والمثيل !