تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 789

مساهمون:

ص٧٨٩
هذه الدعوة إلى البر والإحسان ، والتواصل بين الناس . . وفي هذا التعقيب إشارة إلى أنه لا يتقبل هذه الدعوة الكريمة ، ولا يفي بها إلّا من استشعر قلبه الأخوة ، فوصل نفسه بالناس ، واختلط بهم ، وتحسس مواقع الآلام ، ومواطن العلل فيهم . . وذلك لا يكون إلا من إنسان آمن بأنه ابن هذه الإنسانية ، وأن الناس جميعا شركاء له في هذا النسب . . أما من عزل نفسه عن الناس ، وغرّه بذاته الغرور ، وملكه العجب ، واستبدّ به الكبر ، بما آتاه اللّه ، من مال ، أو صحة ، أو علم ، فرأى أنه من عالم غير عالم الناس ، ومن طينة غير طينتهم - فإنه لا يأخذ منهم ولا يعطى ، ولا يمدّ إلى أحد يدا ، ولا يقبل أن يمد إليه أحد يدا . . إن المسافة بينهم وبينه بعيدة . . إنهم أرض وهو سماء . . وأين الأرض وأين السماء ؟ ولهذا كان قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً »
كاشفا عن هذا الصنف المتعالي المتغطرس من الناس ، ذلك الصنف الذي لو وجد إنسانا تتعلق حياته على قطرة ماء لما التفت إليه ، ولما مد يده نحوه بتلك القطرة ، ولو كانت الأنهار تجرى من تحته ! وفي هذا التعقيب إشارة إلى اليهود ، إذ هم الذين عزلوا أنفسهم عن المجتمع الإنسانى ، وعدّوا أنفسهم خلقا آخر غير خلق الناس - ونسبوا أنفسهم إلى اللّه نسبة لا يشاركهم فيها غيرهم ، فقالوا : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وسمّوا شعبهم شعب اللّه المختار ! وفي قوله تعالى :
« الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ »
ما يكشف عن تلك الإشارة التي ضمّت عليها كلمات اللّه في قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً »
. .