تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1082

مساهمون:

ص١٠٨٢
عدوانا وظلما ، أي من غير قصاص في قتل ، أو سعى بفساد في الأرض - فكأنما قتل الناس جميعا ،
« وَمَنْ أَحْياها »
أي أحيا نفسا إنسانية ، بأن كفّ يده عن العدوان عليها ، أو دفع عنها يدا معتدية عليها - فكأنه أحيا الناس جميعا . . ذلك أن الإنسان يمثّل الإنسانية كلها . . إذ كان خلقها جميعا من نفس واحدة ، كما يقول اللّه تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ »
( 1 : النساء ) . . وفي كل إنسان هذه النفخة المقدسة التي كانت منها الإنسانية كلها ، فمن قتل إنسانا ، فقد أخمد تلك الشعلة المقدسة التي هي أصل الحياة ، ومن أحياها ، أي تركها حيّة فلم يعرض لها بسوء ، فكأنما أحيا الإنسانية كلها ، وترك شعلتها المقدسة متّقدة . . وفي هذا الحكم الذي أوجبه اللّه سبحانه وتعالى على بني إسرائيل ، تغليظ لجريمة القتل ، وتشنيع عليها ، وتهويل لها ، ووضع القاتل أو من تحدّثه نفسه بالقتل أمام تلك الجريمة المفزعة ، التي يرى فيها الإنسانية كلها وهي جثث هامدة ، وأشلاء ممزقة بين يديه . . حتى أهله وأقرب الأقربين إليه من آباء وأبناء . . إنهم جميعا من قتلاه . . بل إنه هو نفسه فيمن قتل بيده . . إذ كيف يحيا وحده في هذا العالم الموحش ، وقد خلا من وجه الإنسان ؟ وفي هذا الموقف يطلّ علينا من بعيد هذا الشبح المخيف لابن آدم الذي قتل أخاه ، فاستولت عليه الوحشة القاتلة بعده ، وأصبح غريبا في هذا العالم ، لا يجد لحياته وجودا على هذه الأرض ، حتى ليذهل عن كل شئ وتضيع من نفسه معالم المعرفة ، التي لا تتحرك ولا تعمل إلا في مواجهة الإنسان للإنسان . . ولهذا كان الغراب أقدر على الحياة منه ، وأصلح للعمل فيها ، لأنه يعيش بين جنسه ، مع فطرته ، التي تستجيب لحياة الجماعة وتعمل معها . والسؤال هنا : لم كان هذا الحكم واقعا على بني إسرائيل وحدهم ؟
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1082 | عبد الكريم الخطيب