تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1079

مساهمون:

ص١٠٧٩
وثالثها : أن الآية صريحة في أن المبعوث هو غراب لا غرابان . . ولو كانا غرابين لذكرتهما الآية . . ورابعها : أنه لو وقع بين الغرابين هذا الصراع الذي انتهى بقتل أحدهما لكان في ذلك عزاء لابن آدم القاتل ، إذ يرى في هذا تبريرا لفعلته ، وإجازة لجريمته . فضلا عن أن الغربان لا تواري موتاها أو قتلاها . وخامسا : لو أن هذا الذي فعله ابن آدم كان أول فعلة وقعت من نوعها في عالم البشر لما كان عليه كبير إثم منها . . لأنه فعل فعلا لا يدرى ما هو ، وما عاقبته ، ولما كان مستحقا أن يوصف بما وصفه اللّه به ، وهو قوله تعالى :
« فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ »
. ولكن ما مفهوم هذه الآيات ؟ وما شأن الغراب هنا ؟ ولم هذا الندم الذي استشعره القاتل مما فعله الغراب ؟ أما مفهوم هذه الآيات - واللّه أعلم - فإنها ترفع لبنى إسرائيل مشهدا من مشاهد الآثام التي يأتونها من غير تحرج أو تأثم ، وأن مردّ هذه الآثام يرجع في أكثره إلى الحسد ، الذي يملأ صدورهم نقمة على الناس ، ويبسط ألسنتهم وأيديهم بالسوء والأذى إلى كل من تلبسه نعمة من نعم اللّه . . وأنهم في الإنسانية إنما يمثلون هذا الإنسان الظالم الآثم من ابني آدم ، الذي حمله الحسد لأخيه على أن يلقى بنفسه إلى التهلكة ، وأن يخسر الدنيا والآخرة جميعا ! هذا هو المضمون الظاهر لهذه الآيات . . أما الغراب ، فقد يكون غرابا حقيقيا ، أو كائنا سماويا تمثّل في هذه الصورة . وعلى أىّ فهو ملهم من اللّه تعالى بأن يفعل ما فعل بين يدي ابن آدم هذا . .
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 1079 | عبد الكريم الخطيب