القاسي ، فلم يأخذنا بذنوبنا ، ولم يحملنا من التكاليف ما لا نطيق ، وجعل لنا باب التوبة مدخلا نثوب به إليه ، ونقترب منه ، بعد أن بعدنا بذنوبنا عنه ، إذ نضرع إليه قائلين :
« رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
.
وإني لأحبّ أن أفهم قوله تعالى :
« رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ »
. على أنه - مع كونه دعاء مطلقا يدعو به المسلم في كل وقت - هو تعويذة يلوذ بها المذنبون الذي تغلبهم أنفسهم ، وتقهرهم أهواؤهم فيقترفون ما اقترفوا وهم في هذا الضعف النفسي المستولى عليهم ، فهم - والحال كذلك - قد وجدوا أمام أمر لا طاقة لهم به ، وهم لذلك في استخزاء ، وفي حسرة وندم ، لا يجدون إلا وجه اللّه يبسطون أيديهم إليه أن يعينهم على أنفسهم ، فيقوّى من إيمانهم ، ويشد من عزائمهم ، في هذا الصراع الدائر في كيانهم ، بين الإقدام على المعصية والإحجام عن مواقعتها ، حتى ينتصروا على أنفسهم وينتهوا عمّا نهوا عنه . .
وفي ختم هذا الدعاء العظيم الشامل بقوله تعالى :
« أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
إلفات للمسلمين بأن غايتهم من هذا التضرع إلى اللّه ، بإصلاح أمرهم واستقامة طريقهم - هو أن يكونوا آخر الأمر أهلا لهداية الناس إلى اللّه ، وأن يصبحوا جبهة عاملة لنصرة الحق ، وجندا مقاتلا في سبيل اللّه ، وبهذا تقوى جبهة الإيمان ، وتضمر أو تزول دولة الكفر . . وإذ كان المؤمنون أولياء اللّه ، ونصراء كلمته ، فإن اللّه وليهم وناصرهم على عدوهم . .
« أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
.