تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
فإن الشريعة قد راعت الظروف الخاصة التي تعرض للإنسان ، والضرورات التي تتحدّى قدرته ، فوضعت لتلك الظروف وهذه الضرورات أحكاما خاصة ، موقوتة بوقتها ، ومقدورة بقدرها ، فأباحت المحظورات عند الضرورات ، ودفعت الحرج عن الضعفاء ، والمرضى ، والمسافرين ، فرفعت عنهم بعض الأحكام ، رفعا جزئيا أو كليا ، بصفة مؤقتة أو دائمة ، وبهذه الأحكام الاستثنائية الواردة على الأحكام العامة ، يرفع الحرج عن المؤمنين باللّه ، الحريصين على الوفاء بأحكام شريعته . . وهذا من رحمة اللّه بالناس ، ولطفه بعباده :
« وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ »
( 220 : البقرة ) . ثم إن في قوله تعالى :
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها »
. ما يجعل إلى الإنسان نفسه عند التطبيق العملىّ لأحكام الشريعة ، أن يردّها إلى قدرته واحتماله ، فما خرج منها عن قدرته ، وجاوز احتماله ، فقد تجاوز اللّه عنه ، ورفع عنه الحرج فيه ، شريطة أن يكون ذلك عن نية صادقة في الامتثال لأمر اللّه ، ورغبة خالصة في مرضاته ، بمعنى أن يحاول الإنسان أداء المطلوب صادقا مخلصا ، فإن عجز أو قصّر فرحمة اللّه لن تضيق به ، ولن تقيمه على الضر والأذى :
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها »
. وقوله تعالى :
« لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ »
الكسب هنا غير الاكتساب . . فالكسب للحسنات والأعمال الصّالحة ، والاكتساب للسيئات والأعمال السيئة . . وفي لفظ الكسب خفة ، ولطف ، واستقامة على اللسان ، على خلاف لفظ الاكتساب وما فيه من ثقل ، وقلق واضطراب . . « كسبت » و « اكتسبت » ! ولفظ « لها ما كسبت » يفيد الملكية ، التي تقضى للمالك بالانتفاع بما ملك ، والتصرف فيه بما ينفعه ، وذلك واقع فيما يكسبه الإنسان من حسنات ،
التفسير القرآنى للقرآن — صفحة 390 | عبد الكريم الخطيب