الذين فرّوا ، لما فاتهم من الثواب العظيم الذي كان لهم أن يحصلوا عليه في هذا الموطن ، لو أنهم صبروا ، وثبتوا .
ونعم إنهم أثيبوا . . ولكن لا يكادون يمدون أيديهم إلى هذا الثواب حتى يجدوه غمّا ! ! فأي ثواب هذا ؟ إن ذلك هو ما يمكن أن يجازوا عليه إن كان لهم أن يطلبوا مثوبة على ما كان منهم ! ! والغم الذي جوزوا عليه بغم . . هو ما كان في فرارهم الذي رآه النبىّ فاغتمّ له . .
وأما الغم الذي كان جزاء لهم . . فهو ما وقع في نفوسهم من حسرة وألم ، حين انكشف لهم موقفهم ، وعاينوا الآثار السيئة التي نجمت عن فعلتهم تلك ، والتي نفذ منها المشركون إلى المسلمين ، وأوقعوا الهزيمة بهم .
وهذه الحسرة التي ملأت قلوبهم ، وذلك الألم الذي استولى على كيانهم ، قد غطّيا على كلّ ما أصيبوا به في هذا الموطن . . فلم يبالوا بعد هذا بالغنائم التي أفلتت من أيديهم ، ولم يهتمّوا لما أصيبوا به في أنفسهم ، وفي إخوانهم ، بعد أن استجابوا الرسول ، وأقبلوا إليه ، يقاتلون معه ، ويتلقون عنه ، سهام المشركين ، وسيوفهم .
ولقد كان هذا الغمّ الّذى وجدوه في أنفسهم حاجزا تتحطم عنده كل واردات الهمّ والحزن لما فاتهم ، ولما أصابهم . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى :
« لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ »
. . وفي هذا رحمة بهم ، وفضل من اللّه عليهم . . بل هو ثواب في مقام العقاب ، وجزاء حسن في معرض الحساب والمؤاخذة !