الخالدين من عصاة المؤمنين ، فساغ الجمع هناك ولم يسغ هنا . لأن الخالدين في النار فرقة واحدة أما الخالدون في الجنان فهم طبقات بحسب تفاوت درجاتهم . وهذا من أسمى مراتب البيان . ومن أمثلته البديعة في الشعر قول الخنساء وقد أرادت مساواة أخيها صخر في الفضل بأبيها مع مراعاة حق الوالد ، فقالت :
جارى أباه فأقبلا وهما * يتعاوران ملاءة الحضر
وهما وقد برزا كأنهما * صقران قد حطا على وكر
حتى إذا نزت القلوب وقد لزت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس أيهما * قال المجيب هناك : لا أدري
برقت صحيفة وجه والده * ومضى على غلوائه يجري
أولى فأولى أن يساويه * لولا جلال السنّ والكبر
فقد ساوت بينهما في الجرأة وخوض غمار الحرب والإسراع في العدو والسباق في البيت الأول والحضر بضم الحاء السباق والعدو ، والملاة بضم الميم : الرّيطة وهي كل ثوب رقيق .
ثم ساوت في البيت الثاني بينهما في جعلهما بمثابة صقرين سريعين ، وفي البيت الثالث أرادت أن تصف الحرب وكيف لز بعض عذر اللحم على بعضها الآخر ، مما يدل على المساواة في العدو ، وتساءل الناس في البيت الرابع أيهما الوالد وأيهما الولد لشدة تشابههما ، ثم انتهت في البيت الخامس إلى ترجيح الوالد ببريق صفحة وجهه ، أي أنه خرج وجهه من الغبار دون وجه رسيله سبقا ، وفي البيت السادس قالت إن الولد كان قادرا على مساواة الوالد لولا ما التزمه من الأدب مع برّ أبيه ومعرفته بحقه ، فغض من عنانه ، وخفض من جناح فضله ليؤثر