تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
أم هو استعارة للحديث المتمثل بحركة الصورة في الحسّ التي توحي بالصورة في الذهن ، من خلال الدلالات أو الإيحاءات ؟ ربما يثير البعض بأن هناك حياة وشعورا يسريان في الأشياء وإن كنّا في غفلة من ذلك . وهذا هو مدلول قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] ، وقوله تعالى :
قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
[ فصّلت : 21 ] ، إن الظاهر منها هو التسبيح الحقيقيّ ، والنطق بالصوت المسموع ، ولكننا ذكرنا في محله ، أن الظاهر من التسبيح والنطق أنهما يصدران عن حياة ووعي وحركة في الفكر ، وإرادة في الذات ، وهذا مما لا يتوفر إلا للأحياء العاقلين ، مما يجعل ذلك قرينة عقلية على إرادة المعنى الكنائي الذي يشير إلى المعنى الواقعي من خلال صورة المعنى . وهكذا يمكن أن يكون المعنى ، أن أخبار الأرض تتحدث عن هذا الحدث الكوني الهائل العظيم ، بأنه لا يصدر عن أسباب طبيعية كالتي اعتادها الإنسان في الظواهر الكونية العادية ، بل يصدر عن إرادة اللَّه بشكل مباشر ، فهي تقول :
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها
وحيا تكوينيا بأن تخضع لإرادته في زلزالها الذي يشمل كل مواقعها ، وفي إخراج أثقالها منها ، لأن القيامة قد قامت ، ولأن ساعة الحساب قد جاءت ، ولأن الناس مدعوّون إلى الوقوف بين يدي اللَّه .

تفرّق الناس يوم القيامة وحسابهم

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً
متفرقين لا تجمعهم وحدة مما كانوا يجتمعون عليه في الدنيا ، لأن الموقف دقيق ، وقد أخذ من عقولهم ومشاعرهم كل مأخذ ، فهم مهتمون بالمصير الحاسم ، ولا يعرفون ما ذا يراد بهم ، لأن المسألة خاضعة لطبيعة أعمالهم ، فهم ذاهبون إلى الموقف الحق في حيرة