التنازل كلما تقدم به العمر ، ليكون على نسق قوله تعالى :
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ
[ يس : 68 ] ، أو قوله تعالى :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
[ الحج : 5 ] ، وقد يستفاد منه ، إيحائيا ، الدرجة الروحية السفلى التي قد يصل إليها الإنسان عندما يعيش أرذل الوعي وأسفل الشعور ، في ما يتمخض عن ذلك من الانحطاط العملي الذي يؤدي به إلى الانحراف عن اللَّه . وهنا يكون الاستثناء في الآية التالية متصلا ، وربما يكون منقطعا إذا لا حظنا المعنى الحرفي للكلمة ، في ما يوحي به من المعنى المادي للجسد .
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
أي غير منقوص في احتمال ، وغير مقطوع ، في احتمال آخر ، أو غير محسوب ، أو غير مكدّر بما يؤذي .
الله أحكم الحاكمين
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
والظاهر أنه خطاب للإنسان الذي خلقه اللَّه في أحسن تقويم ثم ردّه أسفل سافلين ، في نطاق الخطة الحكيمة في خلقه وفي تدبير أمره الذي يوحي بأن اللَّه لا يمكن أن يهمل عباده من عباده من دون أن يجعل لحياتهم هدفا ، ولدنياهم آخرة ، انطلاقا من حكمته في خلقه المتمثلة بكل شيء في الوجود ، فلا مجال فيه للعبث أو للفوضى أو للصدفة ، فكيف يمكن أن يكذب بالجزاء في يوم القيامة ، أو يكذب بيوم القيامة ؟ وهل ذلك إلا إبقاء الحياة كلها في دائرة العبث ؟ وما هي الأسس التي يرتكزون عليها في تكذيبهم ؟
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
فهو الذي ينطلق في حكمه من خلال حكمته في تدبيره ، مما يجعل الحكم خاضعا للعمق العميق للمصلحة ، وللعدل والإتقان ، فيمنح المطيع ثوابه ، والعاصي عقابه ، لأن العدل يفرض ذلك ، ولأن الحكمة توحي بذلك .