تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
له ، وأن يعدّ شخصيته الرسولية إعدادا قويّا منفتحا على الناس كلهم والحياة كلها ، بروحه الطيّبة الطاهرة الحنون العطوف الرؤوف بالمؤمنين وبكل الناس الذين هم الساحة الطبيعية لدعوته ، وبأخلاقه المتوازنة التي تتحرك في علاقته بالأفراد والمجتمعات من موقع الرحمة والرأفة ، والحرص عليهم والتحسس العميق بآلامهم وآمالهم ومشاكلهم ، والصبر على نوازعهم السلبية وأوضاعهم الملتوية ، وبكلماته الطيبة الحلوة التي تمثل التعبير الأحسن والمعنى الأحسن والأسلوب الأحسن ، والجدال
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] والدفع
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
، من دون أن يؤثر ذلك سلبا على جدّية الموقف وصلابة الفكرة ، وبشخصيته الأصيلة في صفاته الذاتية ، كإنسان يعيش إنسانيته في نفسه ومع أهله ومع الناس ، فلا يرى الناس منه إلا كل خير في صبره على الأذى وعفوه عمن أساء إليه ، وتعاليه عن القضايا الصغيرة ، وانفتاحه على الآفاق الكبيرة الواسعة . وهكذا أتاح اللَّه له ، أن يكون الرسول الإنسان الذي يفيض على الحياة كلها باليسر والسماحة والرفق في تناول الأمور ، من خلال أن هذه المعاني هي صفة الرسالة كما هي صفة الرسول ، فقد أراد اللَّه بالناس اليسر ولم يرد بهم العسر ، ولم يجعل عليهم في الدين من حرج ، وبذلك ، كانت شخصيته منطبعة بشخصية الرسالة التي قال عنها : « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » « 1 » . وهكذا يسّره اللَّه للشريعة اليسرى ، وللعقيدة اليسرى في بساطتها وصفائها ونقائها ، كما يسّره للطريقة اليسرى في تبليغه للرسالة وفي مواجهته للمشاكل ، وفي انفتاحه على الناس كلهم ، ليكون ذلك أساسا للدخول إلى قناعتهم من أقرب طريق ، وللتأثير في أوضاعهم لتغييرها إلى الأفضل ، بأفضل الأساليب الميسّرة . وهذا ما نستوحيه كعمل للدعاة إلى اللَّه في تربيتهم لشخصياتهم على اليسر والرفق والسماحة واللين ، والتوازن الأخلاقي والعملي بالمستوى الذي
هامش
( 1 ) البحار ، م : 23 ، ج : 66 ، ص : 505 ، باب : 30 ، رواية : 6 .