تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
في وعيك الفكري والروحي ، لتتمثل وجوده في رقابته الإلهية عليك ، في حضوره في ساحتك العملية في أيّ موقع تختاره في ساحة الصراع ، وعند أيّ موقف ترفعه في مواقف التحدي ، وذلك هو الذي يمنحك القوّة عندما تندفع قوة الآخرين إليك لتسقط روحك ، ولترهق أعصابك ، ولتضعف قوتك ، لأنك - من خلال ذكره - تستمد قوتك من قوته ، فلا تهاب أيّة قوّة أخرى ، لأنه يملأ شعورك الداخلي وإحساسك وروحيتك بكل قوة . إن تحصين ذاتك في مواجهة التحديات والشدائد يفرض عليك أن تذكره صباحا عندما تشرق الشمس بقدرته فتضيء الحياة كلها من حولك بنوره ، وأن تذكره عند الأصيل عندما يطبق الظلام على الكون بإرادته ، فتنام الحياة في ظلال رحمته ، ليكون ذكر اللّه هو الذي يخرجك من الغفلة لتصحو على نداء مسئوليتك ، وهو الذي يدفعك إلى اليقظة لتتحرك في التزامك من موقع وضوح الرؤية في عقلك ووجدانك . إنه ذكر القلب والعقل واللسان ، والموقف العملي الذي يتوازن بين يديه .
وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ
فإن السجود هو آية الخضوع ، ورمز الإعلان عن العبودية للّه ، بما يمثله من الذوبان الروحي في اللّه ، حتى كأن السجود في تعفير الجبهة التي هي رمز العنفوان ، بالتراب بين يدي اللّه ، يمثل سجود القلب في نبضاته ، واللسان في كلماته ، والحياة في كل مظاهرها العملية : في خضوعها له وانفعالها بأوامره ونواهيه ،
وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
في ابتهالات الداعي ، وخشوع العابد ، وهمسات المحبّ التي تعبّر بكل أساليبها وكلماتها عن عظمته ، بما يوحيه التسبيح من ذلك ، ليمتد مع الليل الطويل الذي تشرق الروح في قلب ظلامه ، عند هدوء الأصوات ، وصفاء المشاعر . ولعل السرّ في السجود الذي يعبّر عن الصلاة في الليل ، وفي التسبيح الذي يعبر عن الدعاء والمناجاة في أجواء السحر ، هو أن اللّه يريد لعباده أن يكونوا مشدودين إليه