تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩

قيام الليل تمهيدا للمواجهة

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
التزمّل هو التلفّف بثوب في حالة النوم ونحوه ، وهو كناية عن القعود والاسترخاء في أجواء الوضع الذاتي الذي يدفع الإنسان للاتقاء من الحر أو البرد ، وللسكون في مواقعه حذرا مما قد يحدث له من مشاكل وأحداث . وقد جاء هذا النداء ، وما يتبعه من الخطاب ، في بداية الوحي للإيحاء للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بأن الوقت قد حان للانطلاق بعيدا عن مواقع الهدوء في الحركة أو الإخلاد للراحة ، لأن الرسالة تفرض الدخول إلى ساحة المواجهة في خط الصراع مع المشركين .
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
في عبادة اللّه التي تعيش هدوء الليل الساجي الذي تصفو فيه الروح ، ويرقّ القلب ، ويشرق الفكر ، ويتروّح الإحساس ، فترتفع الروح إلى اللّه في لقاء روحيّ خاشع يشد الإنسان إلى ربّه ، فيلتقي بمواقع رحمته ومواضع رضاه ، وينفتح على الإحساس بالقوّة بفضل الارتباط باللّه صاحب القوّة المطلقة التي هي من صفات اللّه ، وهذا ما يشعر كل المتعبدين له ، والخاشعين له ، والمرتبطين بمواقع القرب في دينه ، بأنهم في مركز القوّة الكبير لاعتمادهم على مصدر القوّة لكل شيء يوحي بالقوّة في الدنيا على مستوى الوجود كله . وقد كانت المهمة أن يقوم نصف الليل على أن تكون كلمة
نِصْفَهُ
بدلا من الليل ، أو ينقص منه شيئا ، تبعا للحالة الصحية أو نحوها التي تفرض عليه الحاجة إلى الراحة بالنوم وغيره ،
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
إذا وجد نشاطا في جسده ، وعزيمة قويّة في روحه ليتجاوز نصف الليل في حركة العبادة ، لأن اللّه يريد للإنسان أن يعبده في نشاط الجسد وإقبال القلب وحيويّة الروح ، حتى لا تتحوّل العبادة إلى عبء ثقيل متعب ، أو حالة جامدة لا تتجاوب الروح معها ، ولعلّ هذا ما جعل المسألة تقف عند نصف الليل أو تنقص منه ، أو تتجاوزه .