تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤

مكروا ليضلّوا الناس

وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
وبدأوا يخططون بكل ما لديهم من أساليب شيطانية للإجهاز على الرسالة وصاحبها ، وأثاروا الكثير من التهاويل حولها ، وامتدت الحيل والمؤامرات لتحاصر كل وجودها ، لأنهم شعروا بالمنطق الإيماني يمتدّ إلى عقول الناس البسطاء الطيبين ، فأرادوا بالمكر الكبير جدا أن يعطّلوا ذلك الامتداد ، ويبطلوا تأثيره على صعيد الواقع الجديد . وكان من تلك الأساليب محاولة الإثارة العاطفية التي تستثيرهم للدفاع عن أصنامهم التي ارتبطوا بها بوحي الألفة والعادة ، لأنهم عاشوا طفولتهم في رحاب عبادتهم إيّاها ، وخضوعهم لها ،
وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
التي تمثل الآلهة الكبار التي هي في موقع الأهمية الكبيرة ،
وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
وقيل : إن هذه الخمسة ظلت تعبد إلى عهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأن ودّا كان لقبيلة كلب ، وسواعا لهذيل ، ويغوث لغطيف ، ويعوق لهمدان ، ونسرا لحمير ، بالإضافة إلى ما استحدثوه من هبل واللّات ومناة والعزى . وهكذا كان أسلوبهم العاطفي يستهدف الوقوف ضد الأسلوب التأمّلي الهادىء المتوازن الذي كان نوح يطرحه على هؤلاء لينطلقوا في أوضاعهم الفكرية والعملية ، في محاكمة عقليّة واعية ، من أجل تصحيح الخط المنحرف في حياتهم ، وتقويم العادات العوجاء في تاريخهم ، كما هي قضية الرسالات الإلهية التي تريد أن تقود الإنسان إلى مصيره من خلال مسئوليته عما يفكر ويعمل بعيدا عن تفكير الآخرين وسلوكهم ، لأن المسؤولية في دائرة الإيمان فردية
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[ الأنعام : 164 ] ، ولا يكسب الإنسان عمل غيره ، إلّا من الناحية التي يمثل فيها مقدّمة لعمل الآخرين ، ولم تكن مشكلة نوح هؤلاء الرؤساء المترفين عند أنفسهم ، بل كانت المشكلة هي وقوفهم حجر
من وحي القرآن — صفحة 134 | السيد محمد حسين فضل الله