تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
يقتنع في الصباح على أساس بعض الأوضاع النفسية أو بعض الأحداث الطارئة بما لا يتأثر به في المساء ، باعتبار اختلاف الأوضاع والأحداث ، مما يجعل الرسول أو الداعية في حالة ملاحقة دائمة ورصد دقيق لحركة الناس اليومية ، فلعلّ ذلك الإصرار على التبليغ في مدار الساعة يحقق شيئا من التقدم في قناعاتهم . ولكنّ قوم نوح كانوا بعيدين عن ذلك ، لأنهم قرروا الرفض الحاسم للرسالة وللرسول ، فأغلقوا آذانهم عن السماع ، وعقولهم عن التفكير ، وألسنتهم عن الحوار . وهذا ما عبر عنه نوح في تقريره الرسالي إلى ربه :
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
من الحقيقة الدامغة التي تفرض نفسها عليهم ، وتنفذ إلى عقولهم ، وتنساب في مشاعرهم ، وتطبق على وجودهم ، فيفرون منها كما لو كان هناك خطر كبير يتهدّدهم ليخرجهم من واقعهم الذي اعتادوا عليه ، ويربك عاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها من أجدادهم ، ولذلك فإن الرسول الماثل أمامهم يمثل الرمز لهذا الخطر ، فيفرون منه وهو الضعيف بينهم في نظرهم ، كما لو كان يريد الإطباق عليهم لافتراسهم .
وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ
بدعوتهم للسير في خط الهدى بالتزام الإيمان باللّه
جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
خوفا من أن تنفذ كلمات الرسالة إلى أسماعهم ، فتمتد في عقولهم ، وتأخذ عليهم قناعاتهم ، فيتصورونها كما لو كانت مطارق صاخبة تثير الضجيج الشديد في آذانهم ، فيغلقون آذانهم عنها
وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ
فغطوا وجوههم بثيابهم ليتفادوا رؤية الرسول الذي يجسّد لهم الخطر القادم من الرسالة ضد الواقع الذي يحرسونه بكل وجودهم ،
وَأَصَرُّوا
على الكفر والضلال ،
وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
في ما توحيه إليهم أوضاعهم المالية والاجتماعية من الكبرياء التي تجعلهم يستعلون على من حولهم من الناس الضعفاء الذين لا يملكون مالا ولا موقعا اجتماعيا متقدما بين الناس ، فيقودهم الاستكبار إلى رفض الأفكار الرسالية التي توحّد بين الناس وتساوي بينهم في إنسانيتهم ، وتلغي الفروق الطبقية فيما بينهم ، لا سيّما
من وحي القرآن — صفحة 124 | السيد محمد حسين فضل الله