تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وما كان يعلم من الأسباب إلا قليلا من كثير ، كقبس من نار يضيء للإنسان في الليلة الظلماء موضع قدمه ، وهو غافل عما وراءه ، لكن اللّه سبحانه محيط بالأسباب ، وهو الناظم لها ينظمها كيف يشاء ويأذن في تأثير ما لا علم له به من خباياها . وأما الرزق المعنوي الذي هو حقيقة الرزق الذي تعيش به النفس الإنسانية وتبقى ، فهو مما لم يكن يحتسبه ولا يحتسب طريق وروده عليه . وبالجملة هو سبحانه يتولى أمره ويخرجه من مهبط الهلاك ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ولا يفقد من كماله والنعم التي كان يرجو نيلها بسعيه شيئا ، لأنه توكل على اللّه وفوّض إلى ربه ما كان لنفسه ،
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
دون سائر الأسباب الظاهرية التي تخطئ تارة وتصيب أخرى ،
إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ
لأن الأمور محدودة محاطة له تعالى و
قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً
فهو غير خارج عن قدره الذي قدره به » « 1 » ونلاحظ على هذا التفسير ، أنه بعيد عن ظاهر الآية ، لو نظرنا إليها بنفسها ، فإنها تشبه الآيات التي تتحدث عن الوعد بالجنة أو بالنصر ، أو بالفلاح على تقدير السير في خط التقوى الذي يتمثل في خط السير العملي للإنسان ، لتكون الأمور المترتبة عليه بمثابة الجزاء على التقوى ، من دون أن تكون بمثابة النتائج الداخلية المعنوية له ، بل هي بمثابة الأمور المنفصلة عنه . ولعل التعمق الفلسفي العرفاني هو الذي أدى إلى الفهم بعيدا عن منطق الآية
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 19 ، ص : 329 .