والمعرفة العظيمة باللَّه ، دائبون في عبادته ، مستمرون في السجود له ، مستغرقون في تسبيحه
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
ولا يملّون ، بل يزدادون حركة ونشاطا وإقبالا كلما ازدادوا عبادة لأنهم لا يسبّحون له ، بناء على بعض مظاهر عظمته إلا ويجدون منها مظاهر أخرى ، تزيدهم تعظيما له ، وتسبيحا . . وهكذا تصبح العبادة بمثابة الغذاء الروحي الشهيّ الذي يتناولونه في كل وقت من الليل والنهار ، كما يتناول الناس طعامهم وشرابهم عند الإحساس بالجوع في أي ساعة من ساعات اليوم .
بين خشوع الأرض والمعاد
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً
خشوع الموت في سكونها وبرودتها وذلّتها فلا شيء يتحرك فيها ، بل هو التراب الذي تتلاعب به الرياح فيستسلم لها لتنقله من مكان إلى مكان فلا يثير إلا الغبار ،
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ
فنفذ إلى أعماقها ، وتفاعل مع ترابها ، ودخل في عمق بذورها
اهْتَزَّتْ
اهتزاز الحركة الحيّة عندما دبت الحياة في داخلها
وَرَبَتْ
فارتفعت بنباتها في خضرته واحمراره واصفراره وغصونه وثماره ، وبرزت في عزتها المتمثلة بالخضرة الطافرة ، والصورة الساحرة ، والنتاج الشهيّ الذي ينطلق العطاء فيه كأسخى ما يكون العطاء ، فما ذا يوحي ذلك كله للإنسان الواعي المفكر ؟ هل يكتفي بالمراقبة الجامدة للظاهرة الطبيعية أم يستغرق في الجانب الجمالي منها ؟ أم ينتقل من هذه الصورة المادية ، إلى الإيحاء المعنوي الذي يحمله عن المعاد ، حيث تصبح صورة حياة الأرض بعد الموت ، بقدرة اللَّه ، دليلا على الصورة الأخرى التي يريد اللَّه للناس أن يتمثلوها ، وهي صورة حياة الإنسان بعد الموت في اليوم الآخر ، لينتهي إلى هذه النتيجة :
إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فإذا كان اللَّه قادرا على إحياء الأرض بعد الموت ، فكيف لا يكون قادرا على إحياء الإنسان بعد موته ، وهو الذي لا يعصى على قدرته المطلقة ؟ !