تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
حتى كادوا أن يغرقوا فيها ، وابتعدوا عن الخط المستقيم حتى أوشكوا أن يستسلموا للضياع في متاهات الكفر والضلال . . . ، قل لهم كلمة الرحمة والمغفرة والحنان التي تحتوي كل مشاعرهم وتطلّعاتهم في الحياة :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
وتجاوزوا الحدود ، واستسلموا لليأس
لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
في الحياة ، لتعيشوا في إيحاء يائس بأن الوقت قد فات ، فلا مجال للعودة إلى اللَّه ، لأن المسألة قد بلغت في التمرد والخطيئة مبلغا لا يستطيع الإنسان فيه أن يواجه اللَّه بالتوبة ، لكن الذنب مع اللَّه يختلف عن الذنب مع الناس ، فقد يتعقد الناس من الذنوب التي يفعلها بعضهم ضد بعض ، فيحملون في داخل نفوسهم الحقد والأذى إلى المستوى الكبير الذي لا يسمح بقبول التوبة من المذنب ، أو العفو عنه ، لأن الحالة النفسية المعقّدة قد بلغت من التعاظم حدّا كبيرا من التعقيد أحاط بالشخصية كلها . . . أما الذنب أمام اللَّه ، فلا يترك أيّ تأثير في ذاته المقدسة في مواقع التعقيد ، لأنه أعظم من ذلك ، فهو اللَّه الّذي لا تقترب الانفعالات من عظمته ، ولا يعرف الحقد مكانا في مواقع قدسه ، بل كل ما هناك ، أنه يغضب على المذنبين بالمعنى العملي للحالة الغضبية الذي يبقى ويزول تبعا للحكمة التي يراها في ذلك ، ولهذا فإن هناك واقعية أكيدة لمسألة التجاوز عن العقوبة في حركة المغفرة للذنب ، والرحمة للشخص على أساس ما يعرفه اللَّه من المعاني الطيبة الكامنة في نفسه ، أو على أساس ملاحظة الظروف الضاغطة في طبيعة النوازع الذاتية أو في عمق الحركة المنطلقة من لهب الغريزة الحارّة ، أو على أساس إفساح المجال للإنسان ليعيد النظر في التمرّد على سلبيّات تاريخه من أجل بداية جديدة لحركة إيمانية جديدة . وهكذا تنطلق القضية من مواقع المغفرة الواسعة والرحمة الشاملة في ما يتسع منهما للإنسان كله ، تبعا لما يعلمه اللَّه من الحكمة في ذلك ، على مستوى قضية الشخص أو قضية الحياة .
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
للتائبين من ذنوبهم ، فإن الظاهر أنّ الآية
من وحي القرآن — صفحة 351 | السيد محمد حسين فضل الله