تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
عاقلة متحركة واعية ، بفعل الروح التي أودعها اللَّه في عمق السرّ الكامن في الطين ، فدبّت في كل ذرة من كل حبة تراب حياة تنمو وتتحرك وتعطي الحياة معنى في الفكر والحركة واللقاء من جديد بالروح الإلهي على الصعيد الإيماني والعبادي . ومن خلال ذلك المعنى الذي يمتزج فيه الروح بالتراب ليصنع إنسانا يملك قابلية الذوبان في اللَّه بفعل العقيدة الخاشعة المنفتحة على كل عوالم الروح في الكون ، أراد للملائكة أن تسجد له لا في دائرة العبادة لهذا المخلوق ، ولكن في آفاق التحية له ، والتعظيم لروعة الإبداع في خلقه ، خشوعا للّه وخضوعا وعبادة له ،
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
فلم يتخلف منهم أحد ، لأن ذاتهم مكوّنة على أساس الطاعة للّه ،
إِلَّا إِبْلِيسَ
الذي لم يكن من الملائكة بل كان من الجن ، ولكنه كان قريبا من مجتمع الملائكة في المجال الروحي والعبادي ، فلم تكن هناك حواجز تمنعه من الارتفاع إلى آفاقهم والعيش معهم ، لكنه لم يكن خاضعا للتجربة المضادة ، وربما كان يختزن في داخله ملامح شخصية شيطانية تبحث عن متنفس للتحرك في دائرة مضادّة ، من قبيل اتصافه بالكبرياء والحسد والحقد المعقّد ، فكان أمر اللَّه للملائكة - ومعهم إبليس - بالسجود لآدم هو المتنفس لهذه العقدة الداخلية ، فأبى و
اسْتَكْبَرَ
حيث اخترق شعوره العدواني كل القيم الروحية في داخله
وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ
في تمرّده على اللَّه ، وجحوده لطاعته .
قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
فقد أردتك أن تنحني خضوعا لعظمة الخلق الإلهي الذي تعلق به الخلق بشكل مباشر ،
أَسْتَكْبَرْتَ
فتعاظمت ذاتك في وعيك ، بحيث ارتفعت بنفسك عن قدرها فأعطيتها فوق ما تستحق ورأيت أنها أكبر من أن تخضع لأوامر اللَّه المتعلقة بهذا المخلوق العظيم ،
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
الذين يملكون هذا العلو في الدرجة بشكل طبيعيّ ؟ !
من وحي القرآن — صفحة 287 | السيد محمد حسين فضل الله