تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
إرضاء غريزة الأبوة في داخله ، بل أراده ولدا صالحا يتحرك في طاعة اللَّه ، ليعزز خط الصلاح في الحياة المرتكز على قاعدة الإيمان باللّه ، لأن المؤمن الذي لا يبتعد عن الرغبات الطبيعية في شخصيته ، يبقى - دائما - في هاجس العلاقة باللّه وبالحياة الإيمانية في كل قضاياه . واستجاب اللَّه دعاءه فرزقه إسماعيل
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ
في ما تمثله هذه الصفة الإنسانية من وداعة وهدوء طبع ، وصفاء روح وانفتاح على كل الناس ، ولكن اللَّه كان يعدّ له مفاجأة مدهشة صعبة ، فقد أراد ابتلاءه وامتحانه في محبته له ليظهر فضله للناس ، وليكون قدوة لهم في المواقع التي يبحثون فيها عن القدوة الحسنة الرائدة في المعنى المتجسّد للإيمان .
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
وأصبح يتحرك معه في غدواته ورواحة ، بعد أن بلغ من العمر سنّ الرشد الذي يستطيع معه السعي في حاجاته وحاجات الآخرين ،
قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
وهذا ، في وعي النبوّة ، أمر إلهيّ يدفعه للقيام بهذه المهمة امتثالا لأمر اللَّه ، لأن الرؤيا الصادقة التي يحس فيها النبي باليقين الرساليّ تمثل أسلوبا من أساليب الوحي الإلهي ،
فَانْظُرْ ما ذا تَرى
لأن المسألة خطيرة بالنسبة إليك ، وهي تدفعك لتفكر تفكيرا عميقا في الموضوع ، وأنا والدك الذي لا يحب أن يقدم على التنفيذ إلا بعد أن تأخذ قرارك فيه ، بالمقدار الذي يتعلق بك ، ليكون الموقف واحدا في امتثال أمر اللَّه ، مع صعوبته الذاتية بالنسبة إلينا جميعا . ولعل إبراهيم كان يعرف بأن ولده سيستجيب لنداء اللَّه لما يعرفه من إيمانه وإسلامه له وصلاحه في خط الشريعة الحقة ، ولم ينتظر إبراهيم طويلا ، فقد أجابه ولده ، فورا ، بشكل حاسم :
قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
فإذا كانت هذه إرادة اللَّه ، فلتكن إرادته هي الحاكمة علينا في كل أمورنا ، لأننا لا نملك من أنفسنا إلا ما ملّكنا إياه ، فهو المالك لنا جميعا ، مما لا يجعل لنا مسألة الاختيار ، التي لو ملكناها ، لكان اختيارنا تبعا لإرادته ، و
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ